الأحد - 01 نوفمبر 2026
منذ 21 دقيقة
الأحد - 01 نوفمبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

أبو عليوي يعيش في وهم الخشونة والسيطرة؛ يرتدي بدلة هيبة، ويمشي في الشارع بخطوات واثقة، وكلما تحدث مع أحد رفع حاجبيه وتكلم بلهجة الرجل الذي يأمر فيُطاع!
لكنه لم يكن يدري أن في منزله تقبع وزيرة مالية ظل خفية، تسحب الفليسات من جيبه وماتخلي بيها حتى ربع دينار، ببراعة ساحر، ودون أن تترك خلفها أي أثر. ما شاء الله عليها إيد خفيفة، تكول أمي أم طالب. أبوها الله يرحمه جان حرامي جزدانات (محفظة).
أبو عليوي يصل إلى كاشير الأسواق، ويمد يده بافتخار ليستخرج الفلوس، فإذا بأصابعه تصطدم ببطانات جيوبه الخاوية كصحراء الربع الخالي، أو صحراء السماوة.
يعيد الكرة مرة واثنتين، بينما يتصبب العرق من وجهه، ويتحول لونه من الأسمر إلى الأزرك المسود، والبائع يباوع عليه بتك عين، كأنه كشف لصاً محترفاً.
ويرجع أبو عليوي للبيت وهو متهجم، وعيونه تجادح شرار، ويصيح:
أم عليوي! هل أخذتِ شيئاً من محفظتي؟ لقد أحرقتِ وجهي أمام الناس!
الخانم، بكل برود العالم، وهي ترتشف استكان الجاي:
ـ هاااااااااااااااا، إي والله!
أبو عليوي، بصراخ وعصبية:
ليش ما تنفستسي وكلتي قبل ما أطلع؟ ليش هاي الدكايك؟ الله ما تخافينا؟
أم عليوي، ببرود أعصاب:
عزا … نسيت!
أبو عليوي:
لا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه!
كلمة نسيت سحرية، تقتل كل محاولات الثورة عند أبي عليوي، فيجلس المسكين يندب حظه، بينما وزيرة المالية مشغولة بتلفونها مع سماسم أختها، تكهكه وتسألها شطابخة اليوم، وترد عليها:والله مناظل جاب كباب شوي ولبن بالليمون والطرشي، يخبللللللللللل!
وهي فاتحة سماعة التلفون، وأبو عليوي يسمع كل التفاصيل، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد!
بعد المكالمة، اعتذرت الخانم عن هذا الفصل البارد، ومرّ يومان لا أكثر، والمكرود أبو عليوي قرر أن يعيد هيبته المفقودة.
استقل سيارته، وكان نافش ريشه لأقصى درجة، ويتحدث في الهاتف بصوت عالٍ، وكأنه رئيس تنفيذي لشركة نفط الدنمارك، أو مدير عام الدعابل والمصراع!
وصل إلى مغسلة السيارات، وترجل بكل كبرياء، وأمر العمال بغسل السيارة وتلميعها من الداخل والخارج، وبسرعة، وكأنها طالعة للتو من المعارض.
انتهى العمال من غسل التحفة الفنية، وجاء وقت الحساب.
مد أبو عليوي يده في جيبه بثقة مطلقة، ليفاجأ بالمفاجأة الصادمة!
المحفظة، يقرأ بيها داخل حسن: الحمد لله ولا متليك! فارغة أفرغ مني، وكأن إعصار تسونامي مرّ عبرها؛ لا فلس، لا كي كارد، ولا بطاقة… أنظف من الصيني بعد الغسيل!
الريش المنفوش وكع، والأسد تحول إلى بزونة مبللة!
ما خلّى مكان ما دوّر بيه؛ لا بالبنطرون ولا بالقميص، أنظف من الصيني يا غاتي!
وهو يبتسم ابتسامة صفراء باهتة لصاحب المغسلة، ويقول:
أوووستاذ… يبدو أن المحفظة تعرضت لعملية سرقة غامضة! هل تقبل الدفع بالتحويل؟ أو أقصد… راح أروح وأرجع إلكم فوراً!
صاحب المغسلة، وقد نفد صبره:
لك إنت كفّرتنا! فكر وتتعيقل على العمال لأن شفتهم باكستانيين؟ لك إحنا بالسينما حتى تضحك علينا؟ لك هذا كراج غسل سيارات أووستاذ، مو مسرحية! ماكو فلوس،! تشتغل بالكراج وتغسل سيارات حتى تبطل تنفش ريشاتك
والكلاوات مالتك علينا ! انزع سترتك، لك فرمان، خلي يغسل الكية الحمل!
وهنا أدرك أبو عليوي أن أم عليوي لم تسرق محفظته وحدها، بل سرقت هيبته أيضاً… والفرق أن الأولى ممكن يشتري غيرها، أما الثانية فتحتاج إلى معجزة!
وقف أبو عليوي صاحب الهيبة والريش المنفوش حاملًا صوندة المي، يغسل إطارات السيارت بنفسه، والعمال يراقبونه بفضول، وكلما مرّ العمال وضعوا يدهم على رؤوسهم وهم يهمسون.. سبحان الله.. جان نافش ريشه، جنه فسيفس وهسه ينفخ تايرات بابا بابا هزا شنو ويهزون بروسهم باكسانين هذه الهزة بالراس !”
وفي بيته، كانت ام عليوي تدك فج وي اختها سماسم وتتفرج تتابع المسلسل الحب المنسي بتركيز، وقد نسيت كالعادة أنها السبب في كل هذه الدراما وما جرى لابو عليوي الذي اصبح بجالها في هذا الموقف ……………..؟ اويلي يالنسوان..!