الأحد - 01 نوفمبر 2026

الهوية الوطنية: رأس الهرم.. من اطفأ الوطن فينا ؟؟

الأحد - 01 نوفمبر 2026

علي مؤيد محي الدين العبيدي ||

 

 

 

حين نضع الهوية الوطنية في قمة الهرم، فإننا لا نُقِلّل من شأن ما دونها، بل نُحدد مركز الثقل الذي تنتظم حوله بقية المفاصل. فالهوية الوطنية ليست بندًا إضافيًا في قائمة انتماءاتنا، بل هي الإطار الجامع الذي يمنح تلك الانتماءات معناها واتجاهها. هي رأس الهرم لأنها النقطة التي تلتقي عندها كل الخطوط: الدين، اللغة، التاريخ، الأرض، والانتماء الإنساني.
الهوية الوطنية بوصفها رأس الهرم
المظلة الجامعة: الدين قد يجمعك بمن هم خارج الوطن، واللغة قد تجمعك بمن هم خارج الحدود، لكن الهوية الوطنية هي الإطار الذي يضمك مع جارك وزميلك ومواطنه على اختلاف أديانهم وألسنتهم ومشاربهم.
· مصدر الشرعية الاجتماعية: الانتماء الوطني هو ما يجعل “الآخر” مواطنًا لا غريبًا، وشريكًا لا منافسًا.
· حائط الصد الأول: في أوقات الأزمات، لا يصمد المجتمع إلا بذلك الرابط الجامع الذي يجعله كالجسد الواحد.

المفاصل هي التي تحمل الحركة وتُيسّرها؛ وبدونها لا يستقيم الجسم. وكذلك الهوية الوطنية: هي المفصل الذي تتحرك عبره الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية:

· الاقتصاد يحتاج ثقةً وطنية وتعاونًا بين أبناء الوطن قبل أي سياسة.
· التعليم يحتاج هويةً تربط الأجيال بذاكرة الأمة وتمنحهم بوصلة.
· الأسرة تحتاج قيمًا وطنية تُغرس قبل أن تُفرض.
· المؤسسات تحتاج شرعيةً اجتماعية مصدرها الانتماء المشترك.
الهوية ليست انغلاقًا
هنا يقع الخلط الذي يجب تفكيكه:

· الهوية الوطنية ليست رفض الآخر، بل هي تمييز الذات دون إلغاء الآخر.
· الهوية الوطنية ليست تعصبًا، بل هي ثقة بالنفس لا تحتاج إلى إلغاء غيرها.
· الهوية الوطنية ليست جامدة، بل هي كائن حي يتطور ويستوعب دون أن يفقد جوهره.

فمن يخشى على هويته من الانفتاح، إنما يخشى على هوية ضعيفة. أما الهوية القوية فتصمد وتُثري وتُثري.

· إذا ضعفت الهوية الوطنية، حلت محلها هويات فرعية متصارعة: طائفية، جهوية، عشائرية، حزبية — وكلها هويات تُقسّم ولا تجمع.
· وإذا تحولت الهوية الوطنية إلى شعارات جوفاء بلا عدالة ولا كرامة ولا مشاركة، صارت قناعًا لا رابطًا.
· المعادلة الدقيقة: الهوية الوطنية تحتاج عدالةً تُشعر المواطن أنه شريك، وحرياتٍ تُشعره أنه فاعل، وكرامةً تُشعره أنه صاحب حق وإلا صارت مجرد حبر على ورق.

رأسٌ لا يستغني عن جسده

الهوية الوطنية رأس الهرم، لكن الرأس لا يحيا بلا جسد. فبقدر ما نحتاج إلى هوية تجمعنا، نحتاج إلى مؤسسات عادلة، وتعليم يبني، واقتصاد يُشعر الناس أن الوطن يحملهم كما يحملونه. حينها فقط يصبح الانتماء الوطني شعورًا حيًا لا شعارًا ميتًا: رأس يوجّه، ومفاصل تحمل، وجسد يتحرك نحو المستقبل.

الكاتب علي العبيدي