الأحد - 01 نوفمبر 2026

ممرّ النار.. الحلقة الخامسة: جيرانٌ وحياد..!

منذ 3 ساعات
الأحد - 01 نوفمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

لم يعد (الحزام الشمالي) الذي تحدث عنه المخططون القدامى خطاً واحداً. تركيا تتحرك بحسابات خاصة بها، وإيران تتمسك باستقلال قرارها رغم الضغط، وإسرائيل تتعامل مع جبهات متعددة، والحوثيون يرفعون الكلفة عند باب المندب. وفي الجنوب تتغير حسابات الخليج بعد أن بدت هشاشة المظلة الأمريكية: ضربة الدوحة في سبتمبر 2025، ثم اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان في الشهر نفسه.

وكان محمد حسنين هيكل (كاتب صحفي مصري) قد نبّه قبل نحو عقدين إلى أن باكستان عنصر يقلب الحسابات، لأن ترسانة قائمة أخطر من احتمال بعيد. وجاءت الأحداث لتثبت بعد نظره: فقد كانت إسلام آباد هي التي حملت الاقتراح الذي أنتج هدنة أبريل، وأدارت الوساطة بين واشنطن وطهران حين تعطلت القنوات الأخرى.

المنطقة إذن تعيد ترتيب نفسها، ولا يمكن بناء أمن إقليمي بإقصاء جار كبير ولا بمحاصرته. وقد قال جوزيف ناي (أستاذ في هارفارد صاحب مفهوم القوة الناعمة) إن القوة الحديثة تقوم على قدرة الدولة على جعل الآخرين يريدون ما تريد، لا على إجبارهم. وبهذا المعنى تملك إيران رصيداً ثقافياً وحضارياً ودينياً في الإقليم لا تمحوه الضربات.

والعراق الدولة الوحيدة في الجوار التي لا تملك مظلة ولا ترسانة ولا حلفاً ملزماً. لكن لديه ما قد يكون أثمن: موقع يصل الجميع بالجميع. والموقع حين يُدار بحكمة يصنع وسيطاً لا غنى عنه. والوساطة ليست حياداً بارداً، بل سياسة نشطة تحتاج إلى خطاب موحد ومصالح مفهومة وقدرة على الجلوس مع الجميع.

ويُطلب من العراق في كل أزمة أن (يختار). لكن الجغرافيا لا تعرف هذا الخيار. فالعلاقة مع إيران ليست ملفاً يُفتح ويُغلق، بل جوار تمتد خيوطه عبر التاريخ والتجارة والعتبات المقدسة وروابط الأسر. وقد درس فالح عبد الجبار (عالم اجتماع عراقي راحل) في «الحركة الشيعية في العراق» كيف تشكلت هذه الشبكات من تفاعل داخلي طويل لا من تصدير خارجي فقط. وكتب فنر حداد (باحث عراقي في شؤون الهويات والطائفية) أن الهويات الفرعية صناعة ظروف وسياسات لا قدر ثابت.

وفي المقابل تفرض العقوبات الأمريكية، التي طالت شخصيات ومؤسسات بسبب صلات بإيران، معادلة قاسية: أن تحافظ الدولة على علاقة طبيعية مع جار لا تملك الابتعاد عنه، وتتجنب في الوقت نفسه ضغوطاً قد تمسّ مصارفها وتحويلاتها. وهذه معادلة لا تُحلّ بالشعارات، بل بالحنكة الدبلوماسية. ولفت هيكل إلى أن مشكلة المنطقة ليست في وجود النفوذ، فهو طبيعي بين الجيران، بل في أن يلجأ كل طرف إلى سند خارجي تعويضاً عن نقص في الاستقرار الداخلي.

والحياد الذي يليق بالعراق ليس مسافة واحدة من الجميع، بل علاقات متوازنة مع الجميع، قائمة على المصلحة والاحترام وحق كل دولة في أمنها. فالجار لا يُنتقى، لكن علاقتنا به تُصاغ بإرادتنا.

في الحلقة الأخيرة: ما بعد الحريق، وسيناريوهات الأيام القادمة