حين تكون آلاء حسين عراقيةً بحجم الوطن .!
طه حسن الأركوازي ||

أنتظرتُ حتى تهدأ العاصفة ، ثم قررتُ الكتابة ، لا لأن الموقف يحتاج إلى وقت كي تتضح معالمه ، بل لأنني أؤمن بأن الكلمة حين تُكتب بعيداً عن ضجيج الانفعال تكون أقدر على إنصاف الحقيقة والتعبير عن الموقف بمسؤولية .
كم أنتِ كبيرة يا آلاء ، حين يصبح الثبات على الهوية الوطنية موضع جدل ، ويُحاكم الإنسان على مواقفه بدلاً من أن تُناقش أفكاره بميزان العقل والإنصاف .!
وأنا أتابع ما تعرضت له الفنانة العراقية الرائعه “آلاء حسين” من أنتقادات وهجوم على خلفية مواقفها ، وجدت أن المسألة تتجاوز شخصها ومسيرتها الفنية ، إذ تكشف جانباً من أزمة أعمق يعيشها العراق ، تتمثل في تضييق مساحة الاختلاف ، وتحويل المواقف والانتماءات إلى معايير لتصنيف المواطنين ، وكأن الوطنية أمتياز تمنحه جهة وتسحبه أخرى .
إن ما يستحق التأمل في هذه القضية هو قُدرة الإنسان على التعبير عن إنتماء عراقي يتسع لتجارب العراقيين وتضحياتهم وتطلعاتهم ، بعيداً عن منطق الاصطفاف الذي يضع بعض المواقف في مواجهة بعضها الآخر .
فثمة من يرى في الاعتزاز بتضحيات الحشد الشعبي دفاعاً عن الوطن في مواجهة الإرهاب ، وفي أستحضار المطالب المشروعة لانتفاضة تشرين دفاعاً عن كرامة المواطن وحقه في دولة عادلة تناقضاً لا يُحتمل ، بينما يُمكن النظر إلى الأمرين ، مع أختلاف السياقات والظروف ، بوصفهما تعبيرين عن تطلعات عراقية إلى الأمن والكرامة والعدالة والسيادة .
إن تقدير تضحيات المُقاتلين الذين دافعوا عن العراق في مواجهة إرهاب تنظيم داعش لا يتعارض مع أحترام مطالب العراقيين الذين خرجوا إحتجاجاً على الفساد وسوء الإدارة في تشرين ، فالدفاع عن الوطن لا يُلغي حق المواطن في المُطالبة بالإصلاح ، كما أن مشروعية الاحتجاج لا تعني إعفاء أي ممارسة خاطئة من النقد والمساءلة .
إن المعيار الحقيقي هو التمييز بين القضايا الوطنية المشروعة والمُمارسات التي تستحق النقد والمحاسبة ، فالوطن أكبر من أن يُختزل في جهة ، والمواطنة أوسع من أن تُحصر في موقف سياسي واحد .
لقد أثبتت التجربة العراقية أن أخطر ما يواجه المجتمع ليس الاختلاف في الرأي ، بل تحويله إلى خصومة ، وإخضاع الناس لمعايير الولاء الحزبي أو الأيديولوجي ، وعندما يصبح الفنان أو الكاتب أو المثقف مطالباً بإرضاء جميع الأطراف كي يحتفظ بحقه في العمل والتعبير ، فإننا لا نكون أمام أزمة ثقافية فحسب ، بل أمام خلل في فهم الديمقراطية والحرية والمواطنة وحدود النقد المشروع .
فمن حق الجمهور أن ينتقد الفنان ، ومن حق المُؤسسات الإعلامية أن تناقش مواقفه ، لكن ذلك لا يبرر الانتقال من نقد الرأي إلى الإساءة الشخصية أو التشهير أو التخوين ، فالمسؤولية القانونية والأخلاقية تقتضي أن يستند النقد إلى الوقائع والحجج ، وأن تُحترم كرامة الإنسان وحقوقه في إطار القانون ، وليس من الإنصاف أختزال مسيرة فنية طويلة في موقف واحد ، أو أفتراض أن العمل في مُؤسسة إعلامية أو فنية بعينها دليل على التخلي عن العقيدة والوطن فالأشخاص لا يُختزلون في أماكن عملهم ، ولا تُقاس وطنيتهم بما يُرضي هذا الطرف أو يغضب ذاك .
إن الفنان العراقي ، شأنه شأن المُعلم والطبيب والمهندس والأكاديمي والخبير ، مُواطن له حق العمل والإبداع والتعبير ما دام مُلتزماً بالقانون ومُحترماً حقوق الآخرين ، ولا يجوز أن يتحول مصدر رزقه أو طبيعة عمله إلى محكمة دائمة لقياس وطنيته ، فالوطنية لا تُثبت بالشعارات ، ولا تُنفى بالشائعات ، وإنما تتجلى في أحترام الوطن ومواطنيه ، وصون كرامتهم ، والالتزام بالقانون ، وتحمل المسؤولية .
وتقدم التجارب الإنسانية التي تجاوزت الحروب والانقسامات درساً بالغ الأهمية ، إذ لا تُستعاد عافية المُجتمعات بإسكات المُختلفين أو بتوزيع شهادات الوطنية ، بل بإعادة بناء المُؤسسات ، وترسيخ سيادة القانون ، وإصلاح التعليم ، وحماية الثقافة ، وفتح المجال أمام الكفاءات ، وتحويل التنوع من مصدر للصراع إلى عنصر قوة ، فعملية ترميم الحجر أيسر من ترميم الثقة ، وإعادة بناء الدولة تبدأ بإصلاح العلاقة بين المواطن ومُؤسساته ، وبإشعاره أن حقوقه مُصونة ، وأن القانون يحميه بصرف النظر عن رأيه أو انتمائه أو موقفه السياسي .
وهنا تقع مسؤولية النخب السياسية والحكومة العراقية في ترسيخ خطاب وطني جامع ، وضمان حرية التعبير ، وتطبيق القانون بعدالة على الجميع ، ومواجهة التجاوزات وفق الإجراءات القانونية ، بعيداً عن الانتقائية أو أستغلال النفوذ .
كما أن الاستثمار في الثقافة والتعليم والإعلام المسؤول ليس ترفاً ، بل ضرورة لحماية الوعي العام من التحريض ، وبناء جيل يرى في المواطنة أساساً للانتماء ، وفي القانون مرجعاً للحقوق والواجبات ، وفي التنوع مصدر غنى للمجتمع لا ذريعة لتفكيكه .
إن قيمة الفنان لا تصنعها الضوضاء المُحيطة به ، بل ما يتركه من أثر في وجدان الناس ، وقيمة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات المُختلفة ، بل بقُدرتها على حمايتها ضمن إطار القانون .
أما العراق ، فلا يحتاج إلى مواطنين مُتشابهين في آرائهم بقدر حاجته إلى مواطنين مُتساوين في حقوقهم ، مُختلفين في أفكارهم ، ومُتفقين على أن الدولة هي المُظلة التي تحمي الجميع .
فهل نُريد عراقاً تُقاس فيه الوطنية بمدى رضا الآخرين عن مواقفنا ، أم دولةً يكون فيها القانون مرجعاً ، والمواطنة معياراً، والاختلاف حقاً لا تهمة .؟
أخيراً وليس آخراً .. إن بناء الدولة يبدأ حين تكفّ السياسة عن تقسيم المُجتمع ، وحين تدرك السُلطة أن حماية حق المختلف ليست تنازلاً عن هيبتها ، بل برهان على قوتها وعدالة مُؤسساتها .
فالعراق لن ينهض بإقصاء أبنائه ، ولا بتخوينهم بسبب إختلافهم ، وإنما بأستعادة ثقتهم بدولتهم ، وتوحيد جهودهم حول مشروع وطني يجعل كرامة الإنسان ، وسيادة القانون ، ومصلحة الوطن فوق كُل أعتبار …!




