الأحد - 01 نوفمبر 2026

إرهاصات مجنون.. زيارة مقام السيدة زينب.. بين حرية الاعتقاد وسيادة الدولة..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 01 نوفمبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

 

لا يمكن النظر إلى الانتقادات التي وجّهها الشيخ عبد الله المحيسني لزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مقام السيدة زينب عليها السلام في دمشق باعتبارها مجرد اختلاف في الرؤى العقدية، فمثل هذه المواقف معروفة في تاريخ الاختلافات بين التيارات الإسلامية. لكن المسألة تستحق قراءة أوسع، تتجاوز مضمون الاعتراض الديني إلى توقيته والظروف السياسية التي رافقت الزيارة، وما قد تتركه مثل هذه المواقف من تأثير في مسار العلاقات بين بغداد ودمشق.
فالزيارة لم تكن تحركاً دينياً منفصلاً عن طبيعة المهمة الرسمية التي جاء من أجلها رئيس الوزراء العراقي إلى سوريا، إذ استقبله الجولاني في مطار دمشق الدولي، وأجرى الجانبان مباحثات تناولت ملفات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين البلدين.
ومن هنا، فإن توجه الزيدي إلى الجامع الأموي ومقام السيدة زينب اكتسب دلالة سياسية إلى جانب معناه الديني، لاسيما أن الموقعين يمثلان رمزين تاريخيين وروحيين لدى شرائح واسعة من المسلمين، وإن اختلفت المواقف العقدية بشأن بعض الممارسات المرتبطة بهما.
كما أن تبرعه بعشرة ملايين دولار من حسابه الشخصي، خمسة ملايين للجامع الأموي وخمسة ملايين لمقام السيدة زينب، حمل رسالة تتعلق باحترام الرموز الدينية والتاريخية، والتعامل مع التنوع المذهبي بوصفه واقعاً اجتماعياً لا يمكن تجاهله. (رغم أنني شخصياً معترض على التبرع بسبب الوضع الاقتصادي الذي نمر به كعراقيين، وكان المفروض أن تكون الهدية رمزية، كهدية ترامب إلى الجولاني عندما استقبله في البيت الأبيض).
ولا يعني ذلك أن الخلافات العقدية حول زيارة المقامات أو طبيعة الممارسات التي تجري فيها قد انتهت، أو أن المطلوب من التيارات الإسلامية التخلي عن قناعاتها. فلكل تيار رؤيته وتفسيره، لكن المشكلة تظهر عندما يتجاوز الخلاف حدود النقاش الديني ليصبح مدخلاً للتأثير في العلاقات السياسية أو إثارة الانقسام بين المجتمعات.
وفي هذا الإطار، تبرز تصريحات الجولاني، خلال مقابلة مع قناة دجلة العراقية، بشأن عدم وجود مانع من زيارة مقام السيدة زينب، مع ضرورة التأكد من سلامة الظروف الأمنية، وتحذيره من محاولات إثارة النعرات الطائفية. وهي تصريحات تعكس أهمية التعامل مع المسألة باعتبارها مسؤولية تتصل بحماية الزوار وضمان الأمن، وليس باعتبارها مناسبة لإعادة فتح صراعات مذهبية عاشتها المنطقة خلال سنوات طويلة.
أما موقف المحيسني، الذي عبّر فيه عن رفضه إقامة زيارة رسمية إلى مكان يرى أن بعض الممارسات فيه تتعارض مع معتقده، فيمكن مناقشته من زاويتين مختلفتين. فمن حقه أن يعلن موقفه العقدي وأن ينتقد ما يراه مخالفاً لقناعاته، كما أن من حق الآخرين الاعتراض على هذا الموقف ومناقشة نتائجه.
لكن حرية التعبير عن المعتقد لا تعني امتلاك حق التأثير في خيارات الدول أو التشكيك في حق المواطنين بممارسة تقاليدهم الدينية. فالدولة ليست ملزمة بتبني رؤية عقدية واحدة، كما أن علاقاتها الرسمية لا يمكن أن تخضع لتفسيرات تيار ديني بعينه.
وهنا يصبح من الضروري الفصل بين نقد الممارسات الدينية، وهو حق يرتبط بحرية الرأي والاعتقاد، وبين التحريض على أتباع المذاهب أو الانتقاص من حقوقهم، فالأمران لا يحملان المعنى نفسه ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما موقفاً واحداً.
لقد عانى العراق وسوريا كثيراً من نتائج توظيف الخلافات المذهبية في الصراعات السياسية والعسكرية، ولم تكن تلك التجارب مجرد خلافات في تفسير النصوص الدينية، بل تحولت في مراحل مختلفة إلى مواجهات دفعت المجتمعات ثمنها من أمنها واستقرارها. ولذلك فإن أي خطاب يمكن أن يعيد إنتاج الانقسام الطائفي يستحق التوقف عنده، خصوصاً في مرحلة لا تزال فيها آثار تلك الصراعات حاضرة.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين التقاطعات الفكرية وتحميل الأشخاص مسؤولية جرائم ارتكبتها تنظيمات متشددة. فالمسؤولية عن التفجيرات والجرائم لا تثبت بالتشابه في بعض المواقف أو التفسيرات، وإنما تحتاج إلى أدلة محددة، وهذا مبدأ ينبغي الالتزام به حتى عندما نختلف مع صاحب الموقف.
لكن القضية الأوسع التي تستحق الاهتمام تتعلق بمستقبل العلاقات العراقية السورية، وما إذا كانت الحكومتان قادرتين على بناء علاقة تتجاوز حساسيات الماضي وتضع المصالح المشتركة في مقدمة أولوياتها.
فالعراق أمام ملفات مهمة في علاقته مع دمشق، تبدأ بأمن الحدود ومكافحة التنظيمات المتطرفة، ولا تنتهي بالتعاون الاقتصادي والتجاري والنفطي، فضلاً عن أهمية الموقع الجغرافي للبلدين وما يمكن أن يوفره من فرص للتعاون الإقليمي.
وفي المقابل، تواجه سوريا تحدياً يتعلق بقدرتها على بناء مؤسسات دولة تستوعب تنوع المجتمع السوري، وتوفر ضمانات حقيقية لمختلف مكوناته الدينية والاجتماعية، بعيداً عن هيمنة الخطابات المتشددة أو تحويل الاختلافات المذهبية إلى أدوات للصراع السياسي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم زيارة الزيدي للجامع الأموي ومقام السيدة زينب باعتبارها إشارة سياسية إلى إمكانية التعامل مع الرموز الدينية المتنوعة في إطار العلاقات بين الدول، دون أن يعني ذلك وجود اتفاق عقدي بين الأطراف أو تطابق في رؤاها الدينية.
غير أن إعطاء الزيارة أكثر مما تحتمل قد يقود إلى استنتاجات متسرعة؛ فهي خطوة إيجابية في مسار التقارب، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن جميع العقبات السياسية والأمنية والمجتمعية قد جرى تجاوزها.
فالاختبار الحقيقي لا يرتبط بالصور والمواقف التي ترافق الزيارات الرسمية، وإنما بقدرة الحكومتين على ترجمة هذه الإشارات إلى سياسات عملية، تحمي المواطنين وتضمن حقوقهم، وتمنع الخطابات المتشددة من التأثير في مسار العلاقات الثنائية.
وليس المطلوب هنا إسكات المحيسني أو مصادرة حقه في التعبير عن قناعاته، كما لا يتعلق الأمر بمحاولة إلغاء الاختلافات المذهبية أو فرض رؤية دينية على الجميع. إنما المسألة تتصل بحدود هذا الاختلاف، وبضرورة عدم تحويله إلى وسيلة للتدخل في شؤون الدولة أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
فمن حق التيارات الدينية أن تختلف في تفسير المعتقدات والطقوس، لكن إدارة هذا الاختلاف تبقى مسؤولية الدولة ومؤسساتها، التي يفترض أن تقف على مسافة واحدة من مواطنيها، وأن تحمي حقوقهم دون تمييز.
إن مستقبل العلاقات العراقية السورية لن يتحدد من خلال سجال مذهبي أو موقف يصدر عن شخصية دينية، بل من خلال المصالح المتبادلة، والقرارات السياسية، ومدى قدرة الطرفين على بناء الثقة ومعالجة الملفات العالقة.
فالاختلاف العقدي لا يستوجب الخصومة السياسية، والتقارب بين الدول لا يعني التطابق في المعتقدات.
وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على توحيد قناعات مواطنيها، وإنما بقدرتها على إدارة اختلافاتهم، وضمان حقوقهم، ومنع تحول هذا الاختلاف إلى صراع يهدد أمن المجتمع ومستقبله.
لا يمكن النظر إلى الانتقادات التي وجّهها الشيخ عبد الله المحيسني لزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مقام السيدة زينب عليها السلام في دمشق باعتبارها مجرد اختلاف في الرؤى العقدية، فمثل هذه المواقف معروفة في تاريخ الاختلافات بين التيارات الإسلامية. لكن المسألة تستحق قراءة أوسع، تتجاوز مضمون الاعتراض الديني إلى توقيته والظروف السياسية التي رافقت الزيارة، وما قد تتركه مثل هذه المواقف من تأثير في مسار العلاقات بين بغداد ودمشق.
فالزيارة لم تكن تحركاً دينياً منفصلاً عن طبيعة المهمة الرسمية التي جاء من أجلها رئيس الوزراء العراقي إلى سوريا، إذ استقبله الجولاني في مطار دمشق الدولي، وأجرى الجانبان مباحثات تناولت ملفات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين البلدين.
ومن هنا، فإن توجه الزيدي إلى الجامع الأموي ومقام السيدة زينب اكتسب دلالة سياسية إلى جانب معناه الديني، لاسيما أن الموقعين يمثلان رمزين تاريخيين وروحيين لدى شرائح واسعة من المسلمين، وإن اختلفت المواقف العقدية بشأن بعض الممارسات المرتبطة بهما.
كما أن تبرعه بعشرة ملايين دولار من حسابه الشخصي، خمسة ملايين للجامع الأموي وخمسة ملايين لمقام السيدة زينب، حمل رسالة تتعلق باحترام الرموز الدينية والتاريخية، والتعامل مع التنوع المذهبي بوصفه واقعاً اجتماعياً لا يمكن تجاهله.( رغم اني شخصيا معترض على التبرع بسبب الوضع الاقتصادي الذي نمر به كعراقيين كان المفروض ان تكون الهدية رمزية كهدية ترامب الى الجولاني عندما استقبله في البيت البيضاوي )
ولا يعني ذلك أن الخلافات العقدية حول زيارة المقامات أو طبيعة الممارسات التي تجري فيها قد انتهت، أو أن المطلوب من التيارات الإسلامية التخلي عن قناعاتها. فلكل تيار رؤيته وتفسيره، لكن المشكلة تظهر عندما يتجاوز الخلاف حدود النقاش الديني ليصبح مدخلاً للتأثير في العلاقات السياسية أو إثارة الانقسام بين المجتمعات.
وفي هذا الإطار، تبرز تصريحات الجولاني ، خلال مقابلة مع قناة دجلة العراقية، بشأن عدم وجود مانع من زيارة مقام السيدة زينب، مع ضرورة التأكد من سلامة الظروف الأمنية، وتحذيره من محاولات إثارة النعرات الطائفية. وهي تصريحات تعكس أهمية التعامل مع المسألة باعتبارها مسؤولية تتصل بحماية الزوار وضمان الأمن، وليس باعتبارها مناسبة لإعادة فتح صراعات مذهبية عاشتها المنطقة خلال سنوات طويلة.