الأحد - 01 نوفمبر 2026

ممرّ النار.. الحلقة الرابعة: رئةٌ واحدة..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 01 نوفمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

يعتمد العراق على النفط في نحو تسعة أعشار إيرادات دولته، وتخرج صادراته الرئيسية من موانئ البصرة عبر الخليج ثم مضيق هرمز. وحين يتعرض هذا الممر لاضطراب أو تهديد أو ألغام، تتأثر موازنة الدولة ورواتبها وخدماتها في أسابيع.

وقد جاءت الحرب لتختبر هذه النقطة المزمنة اختباراً قاسياً. ففي مارس كاد المضيق المغلق يوقف معظم الصادرات، وتراجع الإنتاج لأن مخازن البلد لا تتسع لنفط لا يجد طريقه إلى السفن. وقدّر وزير الخارجية فؤاد حسين الخسائر بنحو ستين مليار دولار. وخفّض البنك المركزي قيمة الدينار في سعر بيع الدولار الرسمي من 1320 إلى 1520، في أول خطوة من نوعها منذ 2023. فاقتصاد يعيش بسلعة واحدة ومنفذ بحري واحد يتنفس برئة واحدة، وحين تضيق يشعر بها المواطن في سعر السوق.

لكن الصورة ليست قاتمة كلها. ففي أكتوبر أعلنت وزارة النفط أن الصادرات تجاوزت 3.4 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب مستوى ما قبل الحرب، بعد أن كانت دون ذلك في سبتمبر. وجاء هذا التعافي من ثلاثة طرق: المضيق نفسه، وخط كركوك – جيهان إلى الموانئ التركية، والصهاريج البرية عبر سوريا. وللمرة الأولى منذ عقود نقلت شركة ناقلات النفط العراقية الحكومية مليوني برميل بناقلة عملاقة عبر المضيق، لتسلّم الشحنة خارجه فلا يتحمل المشتري علاوة مخاطر الحرب. وقال وزير الخارجية الإيراني إن بلاده فتحت مسارات مخصصة للسفن التي تحمل النفط العراقي. وأعلنت بغداد نيتها رفع طاقة التصدير إلى خمسة ملايين برميل، وخفض الاعتماد على النفط بزيادة الإيرادات غير النفطية من 10 إلى 45 في المئة بحلول 2037.

وقراءة هذه الوقائع لا تحتمل الاحتفال المبكر. فهي كلها محاولات التقاط أنفاس لا استراتيجية طويلة، وبعضها يعتمد على تفاهمات ظرفية قد تتغير بتغير الأحوال. وتذكّرنا الحرب بما كتبه زبيغنيو برجينسكي (مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس كارتر) في (رقعة الشطرنج الكبرى): من يتحكم في الممرات يتحكم في إيقاع العالم. وهرمز ممر تتلاقى عنده مصالح الجميع، وهذا ما يعطي دول الجوار، ومنها إيران، مكانة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب قادم. فمن يريد ممراً آمناً عليه أن يفاوض من يجاوره لا أن يتجاوزه، والعراق بحكم موقعه أقرب الدول إلى فهم هذه القاعدة.

أما شروط النجاة فواضحة: منافذ متعددة نحو المتوسط والبحر الأحمر، وربط كهربائي وغازي مع الجيران، ومخزونات استراتيجية، وسعات تخزين تحمينا حين يُغلق الباب، واقتصاد لا يتوقف قلبه كلما اضطرب مضيق. وفي ملف أوبك، يبقى التلويح بإعادة النظر في الحصص ورقة تفاوض، لا بديلاً عن مشروع طويل النفس.

في الحلقة القادمة: الجيران يعيدون الحساب، وسؤال الحياد الذي يليق بنا.