الخميس - 29 اكتوبر 2026

الانتخابات الإسرائيلية… الخيارات بين الأسوأ والأسوأ..!

منذ ساعتين
الخميس - 29 اكتوبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

أستغرب من هذا العدد الكبير من العرب والمسلمين الذين يتسمّرون أمام الشاشات لمتابعة الانتخابات التي جرت في الكيان الصهيوني، وكأننا، بعد ثمانين عاماً من الاحتلال والمجازر والتهجير والعدوان، ما زلنا ننتظر من صناديق الاقتراع الإسرائيلية أن تحمل إلينا بشائر السلام، أو أن تُخرج من بين أحزابها من يردّ إلينا أرضاً سُلبت، وطفلاً قُتل، وبيتاً هُدم، ووطناً حوّله الاحتلال إلى جغرافيا من الدم والركام.

ماذا ننتظر من انتخابات كيان قام على أنقاض فلسطين، وتوسّع على حساب أهلها، ثم مدّ حروبه إلى لبنان وسوريا، ولم يتوقف عن تهديد المنطقة وإخضاع شعوبها لمنطق القوة؟ أَننتظر أن ينتصر حزب على آخر، فنصفّق لفوز هذا ونحزن لخسارة ذاك، وكأن المسألة خلاف بين برامج اقتصادية واجتماعية، لا صراع بين شعب يريد الحياة واحتلال يريد إخضاعه؟

إنها، في جوهرها، انتخابات الخيارات بين الأسوأ والأسوأ، مهما اختلفت الوجوه وتبدّلت الشعارات.

ديمقراطية الداخل ودماء الخارج

ما تكشفه الانتخابات الإسرائيلية ليس مجرد صراع على رئاسة الحكومة، بل أزمة مشروع سياسي اعتاد أن يجعل الأمن الإسرائيلي مبرراً مفتوحاً لحرمان الفلسطينيين من الأمن والحرية والحقوق. وفي الوقت الذي تتنافس فيه الأحزاب على عدد المقاعد، يبقى السؤال الفلسطيني خارج أولويات قطاعات واسعة من المجتمع السياسي الإسرائيلي، فيما تتقدم قضايا القوة والردع والمستوطنات والهوية اليهودية ومواجهة إيران واليمن ولبنان .

لقد أظهرت انتخابات السابع والعشرين من تشرين الأول 2026 تراجع معسكر بنيامين نتنياهو، من دون أن تفتح الطريق بسهولة أمام بديل قادر على تشكيل حكومة مستقرة. وبرزت عقدة أساسية: معارضة نتنياهو لا تعني بالضرورة قبول شراكة سياسية مع الأحزاب العربية، حتى حين تكون هذه الأحزاب قادرة على ترجيح كفة تشكيل الحكومة. وهنا تتكشف المفارقة: قد يختلف الإسرائيليون على نتنياهو، لكن الاختلاف معه لا يعني تلقائياً اختلافاً جذرياً على حقوق الفلسطينيين أو الاعتراف بحقهم في تقرير مصيرهم. (رويترز، 27–28 تشرين الأول 2026).

ليس المطلوب إنكار وجود فروق حقيقية بين اليمين المتطرف والوسط واليسار الإسرائيلي، ولا تجاهل أصوات تعارض الاحتلال والحرب. لكن المطلوب ألا نخلط بين الخلاف على إدارة المشروع الصهيوني والخلاف على جوهره. فحين يصبح الاعتراف بدولة فلسطينية موقفاً هامشياً في معظم الأحزاب اليهودية الكبرى، وحين تتنافس القوى السياسية على من يستطيع ضمان الأمن بالقوة، فإن تغيير رئيس الحكومة وحده لا يكفي لتغيير مصير شعب تحت الاحتلال.

من فلسطين إلى لبنان وسوريا… ذاكرة لا يجوز أن تُمحى

فلنعد إلى فلسطين، حيث بدأت الحكاية قبل أن تصبح الانتخابات الإسرائيلية مادة يومية على شاشاتنا. شعب اقتُلع من مدنه وقراه، وملايين من أبنائه توارثوا اللجوء والحرمان، فيما استمرت المستوطنات في التمدد، وبقيت القدس ساحة صراع على الأرض والهوية والمقدسات.

ولننظر إلى لبنان، الذي عرف الاجتياحات والاحتلال والاغتيالات والاعتداءات المتكررة، ودفع أهله أثماناً باهظة من أرواحهم وبيوتهم واستقرارهم. ولننظر إلى سوريا، التي طالتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وإلى إيران التي تحولت إلى هدف دائم في حسابات المواجهة الإقليمية. أما مصر، التي خاضت الحروب وقدّمت الشهداء دفاعاً عن أرضها وكرامتها، فتدرك من تاريخها أن السلام لا يستقيم مع احتلال دائم، ولا مع قوة تعتقد أن تفوقها العسكري يمنحها حق تقرير مصائر الآخرين.

ومن اليمن إلى لبنان، ومن فلسطين إلى سوريا، لا تستطيع شعوب المنطقة أن تفصل حاضرها عن سجل طويل من الحروب والتدخلات والتهديدات. وليس معنى ذلك أن كل مأساة عربية مسؤولية إسرائيل وحدها، أو أن القوى الإقليمية الأخرى بريئة من أخطائها وجرائمها؛ بل إن الإنصاف يقتضي تسمية المسؤوليات بأسمائها، وعدم تحويل العداء لإسرائيل إلى ذريعة لتبرئة أي طرف آخر.

لكن ما لا يجوز قبوله هو أن تتحول دماء أبنائنا إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بينما نتعامل مع الانتخابات الإسرائيلية كما لو أننا نتابع مباراة بين فريقين، وننتظر إعلان الفائز لنحدد موقفنا منه.

لا تراهنوا على تبدّل الوجوه

إن أخطر ما في هذه المتابعة العربية المفرطة ليس الاهتمام بمعرفة ما يجري في إسرائيل؛ فمعرفة العدو ضرورة سياسية وأمنية، وفهم توازناته الداخلية جزء من فهم المنطقة. الخطر أن يتحول الاهتمام إلى انتظار، والانتظار إلى رهان، والرهان إلى وهم بأن وصول حزب أقل تطرفاً سيجعل الاحتلال أكثر عدلاً، أو أن رحيل نتنياهو سيُنهي تلقائياً أسباب الصراع.

إن السياسة الإسرائيلية ليست كتلة واحدة، لكن تاريخها يعلّمنا أن الحكومات تتبدل فيما تبقى قضايا الأرض واللاجئين والقدس والاستيطان والحقوق الوطنية في صلب المواجهة. وقد تتغير أدوات الاحتلال، وقد تختلف الأحزاب على توقيت الحرب وكلفتها، وقد يتصاعد الخلاف حول إدارة الدولة ومؤسساتها، لكن المعيار الحقيقي لأي تحول هو ما يتغير على الأرض، لا ما يتغير في أسماء الوزراء.

لسنا مطالبين بكراهية الشعوب، ولا يجوز أن نحاكم كل إنسان يهودي الهوية على أساس واحد؛ فهناك من يعارض الحرب والاحتلال، وهناك من يرفع صوته دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين. لكننا لسنا مطالبين أيضاً بتجميل واقع الاحتلال، أو منح الأحزاب حصانة أخلاقية لمجرد أنها تتنافس في انتخابات توصف بالديمقراطية، بينما يُحرم شعب آخر من أبسط حقوقه السياسية والإنسانية والحياتية .

متى نتعلم من التاريخ؟

بعد ثمانية عقود، آن لنا أن نخرج من أسر السؤال: من فاز في إسرائيل؟ وأن نطرح السؤال الأهم: ماذا فعلنا نحن كي لا يبقى مصيرنا رهينة قراراتها؟

أين المشروع العربي القادر على حماية الأرض وصون السيادة؟ أين وحدة الموقف تجاه فلسطين؟ وأين القدرة على تحويل الثقل العربي والإسلامي إلى قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية تمنع العدوان وتدافع عن الحقوق؟ إن الاكتفاء بمراقبة صناديق اقتراع الآخرين لا يصنع موقفاً، كما أن الاكتفاء بالشعارات لا يردع احتلالاً.

قد يفوز نتنياهو، وقد يتقدم خصومه، وقد تولد حكومة جديدة بعد مفاوضات طويلة، وقد يعود الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى. لكن فلسطين لن تستعيد أرضها بتبدّل أسماء الحكومات، ولبنان لن ينعم بالأمان بمجرد تبدّل التحالفات، وسوريا لن تُصان سيادتها بانتظار حسن نيات من يعتدي عليها.

المطلوب أن نقرأ الانتخابات الإسرائيلية بعيوننا نحن، لا بعيون الدعاية الإسرائيلية؛ وأن نزن نتائجها بميزان حقوق شعوبنا، لا بميزان المصالح الحزبية الإسرائيلية.

فالمأساة ليست فقط أن الخيارات الإسرائيلية قد تبدو لنا بين الأسوأ والأسوأ، بل أن نبقى نحن أسرى هذه الخيارات، ننتظر من صناديقهم أن تمنحنا مستقبلاً لم نبنِ أدوات الدفاع عنه.

فلسطين لا تحتاج إلى حكومة إسرائيلية أقل سوءاً بقدر ما تحتاج إلى عالم لا يكافئ الاحتلال، وعرب يدركون أن كرامة أوطانهم لا تُصان بانتظار نتائج انتخابات عدوهم، بل ببناء القوة والوعي والوحدة والقدرة على انتزاع الحقوق.