الخميس - 29 اكتوبر 2026
منذ ساعتين
الخميس - 29 اكتوبر 2026

علي جاسب الموسوي ||
٢٠٢٦/١٠/٢٩

 

 

 

أثار جواب الفنانة العراقية آلاء حسين حول المفاضلة بين العقيدة والوطن نقاشا واسعا حين قالت إن العقيدة هي التي حمت الوطن عندما سقط.. وهو جواب دبلوماسي يحسب لها في تقدير حساسية السؤال ومكانتها الفنية..لكنه يفتح أمامنا قضية أكبر من موقف فنانة أو إجابة في مقابلة: هل يتقدم الوطن على العقيدة أم أن العقيدة هي التي تمنح الوطن قيمته ومعناه؟
إن التاريخ الإسلامي يقدم جوابا واضحا.. فالنبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله غادر مكة .. موطنه الذي ولد
و نشأ فيه وأحبه .. حين أصبح بقاؤه عائقا أمام تبليغ الرسالة..وهاجر إلى يثرب (المدينة المنورة ) ليؤسس مجتمعا ودولة يحملان مشروع الإسلام .. لم تكن الهجرة كرها للوطن..بل تضحية بالاستقرار والأرض من أجل مبدأ أراد له أن يغير وجه التاريخ.
وإبراهيم الخليل عليه السلام فارق قومه وأرضه مهاجرا بدينه..كما يذكر القرآن الكريم .. حتى قادته رحلته إلى تأسيس معالم التوحيد في مكة..حيث رفع مع ابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت الحرام.. لقد تحركت الجغرافيا في خدمة الرسالة..ولم تتحول الأرض إلى قيد يمنع إقامة الدين.
أما في مدرسة أهل البيت عليهم السلام..فإن كربلاء تقدم الشاهد الأوضح.. فالإمام الحسين عليه السلام لم يخرج طلبا لأرض أو سلطة وإنما رفض مبايعة حكم (يزيد) رأى فيه انحرافا عن مبادئ الإسلام..واختار التضحية بنفسه وأهل بيته وأصحابه كي لا يتحول الدين إلى غطاء للظلم.. وقد لخص الإمام الحسين عليه السلام غايته في كلمته المشهورة:
(إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي)
تأملوا دلالة قوله (أمة جدي ) لا (وطن جدي) فهو لم يجعل غايته حدودا جغرافية .. بل إصلاح أمة تحمل رسالة الإسلام وصيانة الدين الحنيف من التحريف والاستغلال.. لقد تحرك الإمام دفاعا عن جوهر الرسالة التي جاء بها جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله .. لتبقى كربلاء شاهدا على أن العقيدة قد تستدعي التضحية بكل شيء حين يصبح ذلك ضروريا لحماية الحق.
وهنا تتضح المسألة: نحن لا نقول إن الوطن بلا قيمة.. بل نقول إن قيمته الحقيقية تنبع من العدل والكرامة والحرية. فالوطن الذي يطلب من أبنائه التخلي عن عقيدتهم ومبادئهم كي يبقوا فيه آمنين..إنما يطلب منهم البقاء بلا هوية.
العقيدة تتقدم حين يقع التعارض الحقيقي بينها وبين الوطن لا لأن الوطن عدو للدين..بل لأن الدين هو الذي يحدد ما يستحق الوطن أن يكونه.. فالأرض بلا عدالة حدود..والوطن بلا كرامة اسم.. أما العقيدة الحية فهي التي تجعل الدفاع عن الإنسان والأرض موقفا له معنى وغاية.