ارهاصات مجنون.. سيلفا: توازن القوى وانحياز المبدأ..!
د. طالب الشوكة ||

لم يكن صعود الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مجدداً إلى سدة الحكم مجرد حدث انتخابي عابر في التاريخ السياسي الحديث لأمريكا اللاتينية، بل شكّل تحولاً جيوسياسياً بارزاً أعاد ترتيب الأوراق في منطقة الجنوب العالمي. إن هذا الفوز، الذي أتى بعد مخاض سياسي وحملات تشويه وملاحقات قضائية، يعكس ترسيخاً لنهج دبلوماسي مستقل يناصر قضايا الشعوب وحقها في تقرير المصير، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
تكمن الفرادة في تجربة دا سيلفا في قدرته الاستثنائية على الربط بين الداخل والخارج؛ إذ تتكئ مشروعيتها الشعبية بالأساس على انحياز مبدئي للطبقات الفقيرة والعمالية عبر برامج اجتماعية واقتصادية فارقة، في طليعتها برنامج «بولسا فاميليا»، الذي يُعد أحد أنجح برامج التحويلات النقدية المشروطة عالمياً لمكافحة الفقر والحد من عدم المساواة. لقد أثبتت هذه التجربة أن العدالة الاجتماعية في الداخل ليست سوى المرتكز الأساسي للموقف الأخلاقي الصلب في الساحة الدولية، ومثّلت رداً عملياً من الشعب البرازيلي برفض الخطابات اليمينية المتطرفة التي حاولت تجريد البلاد من دورها الريادي.
وعلى الصعيد الدولي، يُرسّخ هذا الفوز مكانة البرازيل كقوة صاعدة تعبّر عن تطلعات الجنوب العالمي في مواجهة منظومة الشمال العالمي والهيمنة الأحادية. ومن خلال استثمار الثقل الجيوسياسي للبرازيل في تكتل بريكس والمحافل الأممية، يقود دا سيلفا حراكاً يهدف إلى كسر حالة الاستقطاب الدولي، والمطالبة بإصلاحات هيكلية في منظومة الأمم المتحدة، لا سيما ما يتعلق بإلغاء أو تحجيم حق النقض (الفيتو)، الذي طالما شلّ الإرادة الدولية وعطّل القرارات الداعية إلى إدانة الانتهاكات بحق الشعوب المستضعفة.
وفيما يتصل بالقضية الفلسطينية، تتجلى استقلالية القرار البرازيلي في أبهى صورها؛ إذ ينطلق دا سيلفا من رؤية تاريخية حاسمة. فالبرازيل كانت من أوائل الدول التي اعترفت رسمياً بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 خلال ولايته في عام 2010، مما أطلق حينها موجة اعترافات لاتينية متتالية. ولم يتردد الرئيس البرازيلي، في مواقفه الأخيرة، في توجيه انتقادات حادة ومباشرة للسياسات والعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، متجاوزاً خطوط الحذر الدبلوماسي لتوصيف ما يحدث بالإبادة الجماعية، ومتحملاً في سبيل ذلك تبعات التوتر الدبلوماسي مع تل أبيب وحلفائها الغربيين.
إن تجديد ثقة الشارع البرازيلي في هذا الخيار الاستقلالي يوجّه رسالة بالغة الأهمية إلى حركات التحرر والعدالة الدولية؛ مفادها أن الانحياز للقيم الإنسانية والعدالة لا يتعارض مع الاستقرار السياسي والنجاح الانتخابي. كما يُثبت أن وجود دولة بوزن البرازيل في المحافل الكبرى يكسر حالة الصمت وازدواجية المعايير، ويمنح أملاً حقيقياً بأن النضال الديمقراطي والدبلوماسي قادر على إعادة القضايا العادلة إلى صدارة الأجندة العالمية.




