الوعي الشعبي العربي يتجاوز المال السعودي: (اليمن بين حقيقة العدوان ومحاولات تزييف الوعي)..!
د. علي محمد الزنم ||
عضو مجلس النواب في اليمن

يتنامى الوعي في الشارع العربي، ويمتد صداه إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، بحقيقة ما يجري في اليمن، وحجم المعاناة التي خلّفتها الحرب، بعيدًا عن محاولات تزييف الوقائع وقلب الأدوار، بحيث يُصوَّر المعتدي ضحيةً، والضحية متهمًا.
وخلال السنوات الماضية، بل والأسابيع الأخيرة، تكررت محاولات توظيف الخطاب السياسي والإعلامي، واستدعاء المقدسات الدينية، لتبرير الحرب والتغطية على تداعياتها الإنسانية. غير أن ما خلّفه الصراع من خسائر بشرية ودمار ونزوح ومعاناة معيشية جعل حجب الحقيقة أكثر صعوبة، مهما تعددت الروايات وتضاربت الخطابات.
إن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس الدمار والضحايا فحسب، بل محاولات تضليل الرأي العام، واحتكار تعريف المعتدي والضحية، وتقديم المصالح السياسية في ثوب المبادئ أو الدين. فالمقدسات لا يجوز أن تتحول إلى غطاء للصراعات، ولا أن تكون الشعارات الدينية بديلًا عن العدالة والقانون الدولي واحترام حياة المدنيين وكرامتهم.
ومع انتقال اليمن من تحمّل الضربات إلى الرد على الهجمات التي يتعرض لها، تصاعدت محاولات حشد التأييد الإقليمي والدولي لمواجهة الموقف اليمني، عبر خطاب يصوّر الصراع وكأنه يتجاوز حدود اليمن، ويستدعي مخاوف أوسع لتبرير المزيد من التصعيد. لكن التحشيد الرسمي لا يعني بالضرورة وجود إجماع شعبي، فمواقف الحكومات وحساباتها السياسية لا تعكس دائمًا تطلعات شعوبها.
وتكشف المواقف المتباينة في دول مثل مصر وتركيا وباكستان عن تعقيدات المشهد الإقليمي وحدود الاستعداد للانخراط في مواجهة أوسع. ومن الضروري التمييز بين حسابات الحكومات ومصالحها، وما قد يؤثر فيها من ضغوط سياسية ومالية، وبين مواقف الشعوب والقوى السياسية والإعلامية الرافضة لتوسيع دائرة الحرب والزج ببلدانها في صراعات لا تخدم مصالحها.وتهيج الرأي العالم في تلك الدول التي تنوي الدخول في الحرب ضد اليمن المقاوم .
إن الشعوب العربية والإسلامية لم تعد مجرد متلقٍّ سلبي للخطاب الإعلامي؛ فقد اتسعت قدرتها على الوصول إلى المعلومات ومقارنة الروايات ومساءلة أصحاب القرار. ولم يعد المال السياسي والنفوذ الإعلامي كافيين لفرض رواية واحدة، خصوصًا حين تتسع الفجوة بين الشعارات والوقائع وتتراجع الثقة في الخطاب الذي يسعى إلى تبرير الحرب أو تزيين نتائجها.
ومع ذلك، فإن بناء الوعي لا يتحقق بمجرد تبنّي رواية مضادة، بل بالاستناد إلى الحقائق الموثقة، والإنصاف في عرض الوقائع، ورفض ازدواجية المعايير، أيًّا كان الطرف المسؤول عن الانتهاكات.
فالدفاع عن اليمن وحق شعبه في الأمن والسيادة والكرامة لا يتعارض مع رفض استهداف المدنيين أو تبرير معاناتهم، كما أن إدانة انتهاك لا ينبغي أن تكون ذريعة لتجاهل انتهاكات أخرى.
لقد أثبتت التجربة أن القضية اليمنية أكبر من أن تُختزل في سجال إعلامي أو صراع على كسب التعاطف؛ فهي قضية شعب دفع أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره وموارده ومستقبله. ومن ثم، فإن الموقف العادل يقتضي الاحتكام إلى الوقائع، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الأدلة والمعايير القانونية، ورفض استخدام المال والنفوذ السعودي لشراء المواقف أو إسكات الأصوات المعارضة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي تؤديه بعض القنوات، ومنها العربية والحدث والجزيرة والإخبارية السعودية، في تقديم روايات وتحليلات يرى منتقدوها أنها تتأثر بالتوجهات السياسية للدول والجهات المرتبطة بها، ولا سيما في الشأن اليمني. وتزداد خطورة ذلك حين يُستعان بشخصيات دينية أو فتاوى لتبرير مواقف سياسية أو صراعات عسكرية، بما قد يسهم في منح الانتهاكات غطاءً دينيًا لا ينسجم مع مقاصد العدل وصون النفس البشرية.
وقد تنجح الحملات الإعلامية في التأثير على الرأي العام لبعض الوقت، لكن بناء وعي شعبي مستدام يظل مرهونًا بحرية الوصول إلى المعلومات، وجرأة طرح الأسئلة، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية. فالشعوب التي تدرك مصالحها وحقوقها يصعب دفعها إلى حروب الآخرين أو اختزال إرادتها في حسابات المال والنفوذ. وتدركون من أقصد هنا .
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، بقدر ما يحتاج إلى عدالة تنصف ضحاياه، وسلام يحفظ سيادته، وموقف دولي يضع حياة الإنسان فوق المصالح السياسية. فالحقيقة لا تُقاس بقوة من يروّج لها، والعدالة لا تتجزأ بتغيّر أطراف الصراع، وكرامة الشعوب ليست ورقة للمساومة.
وحين يُغلق مطار صنعاء لسنوات، ثم يأتي الرد بالمثل في سياق سياسة المعاملة بالمثل وفرض الحصار بالحصار، بما في ذلك إغلاق مطار الرياض أو غيره، فإن المعيار العادل يقتضي النظر إلى الوقائع بمقياس واحد، لا أن تُقام الدنيا ولا تُقعد عند إجراء، بينما تُهمَل معاناة اليمنيين وحقوقهم، وكأنهم بلا صوت أو من يدافع عنهم.
وفي الختام، نعتز بما حققته قواتنا المسلحة من تغيير في معادلة المواجهة، وما أظهرته من قدرة على إيصال صوت اليمن إلى الإقليم والعالم. فقد بات لصنعاء صوتٌ مسموع، ورسالةٌ لا يمكن تجاهلها، في تأكيد حق اليمن في السيادة والكرامة والدفاع عن نفسه.
وكفى.




