البصرة.. ألا تستحق دارا لإحياء اللغة العربية واستعادة مجدها اللغوي؟!
بقلم/ عامر جاسم العيداني ||

عامر جاسم العيداني
ليست البصرة مدينة عادية في تاريخ العراق بل هي إحدى الحواضر التي أسهمت في بناء صرح الحضارة العربية والإسلامية ومنها انطلقت علوم ومعارف تركت بصمتها العميقة في الثقافة العربية وفي مقدمتها علوم اللغة والنحو والصرف والعروض، وإذا كانت المدن تعرف بتاريخها وما قدمته للإنسانية فإن البصرة تستحق أن تستعيد مكانتها بوصفها من أبرز المنارات التي أسهمت في تأسيس علوم العربية وتطويرها.
في البصرة ارتبطت بدايات علم النحو بإسم أبي الأسود الدؤلي الذي تنسب إليه الروايات التراثية جهود تأسيسية في ضبط العربية ووضع أصول النحو في مرحلة اقتضت حماية اللسان العربي من اللحن وصيانة لغة القرآن الكريم ومن تلك البدايات تشكلت مدرسة نحوية بصرية كان لها أثر كبير في تطور الدرس اللغوي وأسهم علماؤها في وضع القواعد وتفسير التراكيب وتطوير البحث في اللغة.
ومن البصرة أيضا انطلق الخليل بن أحمد الفراهيدي العالم الذي قدم للعربية خدمات جليلة فوضع علم العروض الذي أصبح أساسا لوزن الشعر العربي ومعرفة بحوره كما ارتبط اسمه بكتاب «العين» الذي يعد من أقدم المعاجم العربية وعلى يديه تتلمذ علماء كبار وفي مقدمتهم سيبويه صاحب كتاب «الكتاب» الذي أصبح مرجعا أساسيا في النحو إلى جانب علماء آخرين أسهموا في ترسيخ مكانة البصرة العلمية مثل الأصمعي.
إن هذه الأسماء ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ بل هي إرث علمي وثقافي يمنح البصرة فرصة حقيقية لبناء مشروع حضاري معاصر يربط ماضيها بمستقبلها وينقل هذا التراث من حدود الاحتفاء الرمزي إلى فضاء التعليم والبحث والإبداع.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: ألا تستحق البصرة تأسيس دار متخصصة لإحياء اللغة العربية وعلومها لتكون مركزا علميا وثقافيا يحمل اسم المدينة وتاريخها ويعيد إليها دورها في خدمة لغة الضاد؟
إن المقترح لا ينبغي أن يكون مجرد مبنى يحمل اسما تراثيا بل مؤسسة متكاملة تضم أقساما لتعليم العربية والنحو والصرف والعروض والبلاغة ومراكز لتحقيق المخطوطات ودراسة التراث البصري ومكتبة متخصصة تضم أمهات الكتب والمراجع الحديثة فضلا عن قاعات للمحاضرات والندوات والمؤتمرات العلمية.
ويمكن لهذه الدار أن تستقطب الطلبة والباحثين من مختلف المحافظات العراقية والدول العربية والإسلامية وأن تفتح برامج لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بما يجعل البصرة وجهة علمية وثقافية ويسهم في تنشيط السياحة الثقافية وتعزيز حضور العراق في المؤسسات الأكاديمية الدولية.
ولتحقيق ذلك ينبغي أن تتعاون الحكومة المحلية في البصرة مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الثقافة والجامعات العراقية وفي مقدمتها جامعة البصرة لوضع دراسة علمية متكاملة تحدد أهداف المشروع ومراحل تنفيذه ومصادر تمويله وتضمن إدارته وفق معايير أكاديمية رصينة.
إن المدن العريقة لا تحافظ على مجدها بمجرد استذكار علمائها وإنما بتحويل إرثهم إلى مؤسسات حية تنتج المعرفة وتفتح أبوابها للأجيال الجديدة.
البصرة التي أنجبت أبا الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي وأسهمت في صناعة تاريخ اللغة العربية تستحق أن يكون لها صرح علمي يليق بمكانتها يعيد إحياء تراثها اللغوي ويجعل أبناءها يتعلمون على أرضها ويأتي إليها الآخرون طلبا للعلم والمعرفة.
فهل تبادر الجهات المعنية إلى تبني مشروع «دار اللغة العربية في البصرة» ليكون وفاءا لتاريخ المدينة واستثمارا في مستقبلها وخطوة عملية نحو استعادة مجدها العلمي والثقافي؟




