“المسعول” ياكل زوري لو ياكل الشعب ؟!
زيد الحسن ||

يُحكى أن مواطناً عراقياً دخل مطعماً وطلب سمكة مشوية فسأله النادل هل تريد معها ماءً أم عصيراً ؟ فقال له لا أريد سمكاً ولا ماءً ولا عصيراً أريد فقط أن أعرف إن كان عندكم شيء لا يقتل صاحبه قبل أن يدفع الحساب ، فضحك النادل وقال له يا أخي أنت في العراق ولست في الجنة .
حين تتحدث وزيرة البيئة عن عزوفها عن أكل السمك ، بسبب مخاوف من تلوث دجلة بالمخلفات الطبية ، فإن المواطن العراقي لا يعرف هل يضحك من هول المفارقة ، أم يبكي على وطن صار فيه الخوف على الحياة خبراً عادياً ، فالمسؤول الذي يفترض أن يطمئن الناس بكشف الحقيقة ووضع الحلول يفتح أمامهم باباً جديداً من الأسئلة المرعبة ، وإذا كان هذا حال السمك في نظر من تتولى مسؤولية البيئة ، فماذا بقي للمواطن المسكين الذي لا يملك رفاهية اختيار نهر آخر ، ولا وطناً آخر ولا حياة أخرى .
يا سادة يا كرام نحن شعب لم يعد يسأل عن جودة الحياة ، بل عن الحد الأدنى من شروط البقاء ، فالماء الذي ينبغي أن يروي عطشنا صار يثير الشك ، والهواء الذي خُلق لنتنفسه ، صار محملاً بغبار الإهمال ، والروائح والملوثات والغذاء الذي يفترض أن يسد جوعنا أصبح باباً جديداً للقلق ، أما الأسعار فقد قررت أن تعيش في عالم آخر لا تعرف فيه الرحمة طريقاً إلى جيب الموظف ، ولا الشفقة طريقاً إلى مائدة الفقير ، وكلما ارتفع سعر شيء قالوا إن الظروف صعبة وكأن الظروف وحدها هي التي تحكم البلاد ، وكأن أحداً لا يملك سلطة القرار ولا مسؤولية الحساب .
وهنا تكمن النكتة السوداء التي لم يعد العراقي يملك ترف الضحك عليها ، فنحن نشتري الماء لأن ماءنا لا يكفينا ، ونشتري الهواء النظيف إن استطعنا الهرب إلى مكان أقل تلوثاً ، ونحسب ألف حساب لما نضعه في أفواهنا لأن الرقابة قد تغيب والمحاسبة قد تتأخر ثم نعود إلى بيوتنا لنحسب ما تبقى من رواتبنا بعد أن ابتلعت الأسعار نصفها ، وأكلت الالتزامات نصفها الآخر فأي مواطن هذا الذي يدفع ثمن الماء الذي من حقه أن يجده نظيفاً ، وثمن العلاج الذي كان يمكن أن يوفره له الإهمال ، وثمن الغذاء الذي صار يخشى مصدره ثم يقال له اصبر فالصبر فضيلة وكأن الفضائل وحدها قادرة على تنقية الأنهار وتصفية الهواء وخفض الأسعار وإصلاح المستشفيات .
وليس المطلوب من الوزيرة أن تأكل السمك أمام الكاميرات كي يطمئن الناس ، وليس من المعقول أن نطالب المسؤول بتناول ما يخشاه حتى نصدقه المطلوب أن تتحول المخاوف إلى تحقيقات معلنة ، وأن تُفحص المياه والأسماك في مختبرات موثوقة وأن يعرف الناس أين تُصرف المخلفات الطبية ومن سمح بها ومن قصّر في منعها فالتصريح الذي يثير القلق لا ينبغي أن ينتهي إلى موجة من التعليقات الساخرة ثم يطويه النسيان ، بل يجب أن يكون بداية لمحاسبة واضحة وإجراءات يلمس المواطن أثرها في الماء الذي يشربه والطعام الذي يشتريه والبيئة التي يعيش فيها .
لقد أتقن العراقيون فن التكيف مع الكوارث ، حتى كاد التكيف يصبح جزءاً من هويتهم فإذا انقطعت الكهرباء بحثوا عن مولدة وإذا انقطع الماء اشتروا صهريجاً وإذا غلت الأسعار حذفوا ما يستطيعون من قائمة الطعام ، وإذا تلوثت البيئة أغلقوا النوافذ وانتظروا أن تمر الأزمة وإذا مرضوا بحثوا عن طبيب ودواء على قدر ما تسمح به الجيوب ثم قيل لهم إن البلد غني بالموارد وإن المستقبل واعد وإن الإصلاح مستمر لكن المواطن لا يستطيع أن يشرب الوعود ولا أن يتنفس التصريحات ولا أن يطعم أطفاله من خطط التنمية المكتوبة على الورق .
والسؤال الذي يطاردنا اليوم ليس هل نأكل السمك أم نتركه ؟ بل إلى أين يذهب هذا الشعب حين تصبح أبسط حقوقه موضع شك ، وحين يتحول الماء إلى عبء والهواء إلى مصدر قلق والغذاء إلى مخاطرة والأسعار إلى سياط يومية لا تتوقف ، فمن لا يستطيع تغيير بيته لا يستطيع الهرب من بيئته ومن لا يملك المال لا يستطيع شراء بديل لكل شيء ، فهل كُتب على الفقير أن يدفع مرتين مرة من جيبه ومرة من صحته ومرة ثالثة من عمره بينما يظل المسؤولون يتبادلون التصريحات وتبقى الأنهار تنتظر من ينقذها .
وفي نهاية هذه المهزلة الوطنية لم نعد نبحث عن حياة كريمة بل عن ماء لا يسممنا ، وهواء لا يخنقنا ولقمة لا تخيفنا ، يا لهذا الوطن الذي صرنا نخشى فيه ما نأكله ونشربه ونتنفسه وكأن جريمتنا الوحيدة أننا وُلدنا فيه .




