مليشيا ألوية العمالقة في اليمن: العقيدة السلفية وحسابات النفوذ الإقليمي ـ الجزء الثالث..!
د. طالب الشوكة ||

السيناريو الثالث: إعادة الهيكلة وتقليص النفوذ المستقل.
قد تدفع التغيرات في مصادر التمويل والتحالفات السياسية إلى إعادة توزيع الوحدات والمهام، أو تغيير بعض القيادات، أو دمج أجزاء من التشكيل ضمن أجهزة مختلفة. ولا يعني ذلك بالضرورة تفكيك العمالقة بالكامل، لكنه قد يؤدي إلى تقليص استقلالية قرارها العسكري والسياسي وتتوقف احتمالات هذا المسار على مدى قدرة الجهات المشرفة على إعادة التنظيم على بناء تفاهمات مع القيادات والمقاتلين، وعلى توفير الرواتب والموارد والضمانات التي تمنع تحول إعادة الهيكلة إلى مصدر لصراع جديد. ولا يمكن ترجيح أحد هذه المسارات بصورة قاطعة؛ إذ تظل النتائج مرتبطة بتطورات الحرب، وبالتوازنات المحلية والإقليمية، وبمدى قدرة الحكومة اليمنية على بناء مؤسسات قابلة للاستمرار.
السعودية والإمارات: تنافس المصالح وإعادة ترتيب القوة
تكشف تجربة العمالقة عن جانب مهم من التنافس الإقليمي في اليمن. فقد ارتبط الدعم الإماراتي بتشكيلات محلية تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً، بينما تسعى السعودية، في المرحلة الراهنة، إلى تعزيز قدرتها على إعادة تنظيم القوات الواقعة ضمن مناطق الحكومة اليمنية وتوحيد سلاسل القيادة.
لكن اختزال السياسة السعودية في هدف واحد، أو اعتبار السياسة الإماراتية ثابتة لا تتغير، من شأنه أن يحجب تعقيد المشهد. فكلتا الدولتين تتعاملان مع مصالح أمنية وسياسية متداخلة، وقد تتقاطع أولوياتهما في ملفات وتختلف في أخرى.
كما أن امتلاك النفوذ على تشكيل مسلح لا يضمن التحكم الكامل في قراراته؛ فالقيادات المحلية لديها مصالحها الخاصة، والبيئات الاجتماعية التي تستند إليها، وحساباتها المتعلقة بمستقبل السلطة وتقاسم الموارد.
لذلك، فإن مستقبل العمالقة لن يتحدد فقط بمقدار الدعم الذي تتلقاه، بل بقدرتها على التكيف مع تغير مصادر هذا الدعم، وبمدى استعداد قيادتها لقبول ترتيبات تحد من استقلالية القرار العسكري مقابل ضمان استمرار حضورها ضمن مؤسسات الدولة.
الجغرافيا السياسية: الطاقة والساحل الغربي وباب المندب
تكتسب ألوية العمالقة أهمية إضافية من ارتباط انتشارها السابق والحالي بمناطق ذات قيمة استراتيجية، بينها أجزاء من شبوة والساحل الغربي. فشبوة ترتبط بموارد الطاقة وبشبكات الطرق والمواقع الاقتصادية، فيما يمنح الساحل الغربي اليمني أهمية تتصل بالموانئ والملاحة في البحر الأحمر.
غير أن الأهمية الجيوسياسية لهذه المناطق لا تعني أن السيطرة العسكرية عليها تمنح أي تشكيل القدرة المنفردة على التحكم في حركة التجارة الدولية. فالأمن البحري يتأثر بقدرات متعددة، تشمل القوات البحرية، ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإدارة الموانئ، والتعاون الإقليمي والدولي.
وتزداد هذه المسألة تعقيداً في ظل التصعيد العسكري الذي عاد إلى الواجهة في اليمن خلال أكتوبر 2026، وفق التحليل المنشور في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في السادس من الشهر نفسه. ويشير هذا التطور إلى أن التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر لا تزال مرتبطة مباشرة بمسار الحرب اليمنية، وبقدرة الأطراف على استخدام الجغرافيا البحرية أداةً للضغط العسكري والسياسي.
وفي هذا السياق، يمكن أن تمثل القوات المنتشرة في المناطق الساحلية عنصراً في معادلة الأمن البري وحماية المنشآت وخطوط الإمداد، لكنها لا تحل بمفردها معضلة أمن باب المندب. فهذه المعضلة تتطلب ترتيبات أوسع تتداخل فيها السياسة اليمنية مع الأمن الإقليمي والمصالح الدولية.




