بين الرصيف والزهاوي..!
اسعد عبد الله عبد علي||

قصة قصيرة / بين الرصيف والزهاوي
مشيتُ في رئةِ بغدادَ العتيقة، شارعِ الرشيد، حيثُ يمتزجُ العبقُ بالطين، والأنفةُ بالانكسار. هناكَ، تقاطَعَت طريقي بسربٍ من الوجوهِ المطفأة؛ جمعٌ من المتسولينَ يمتدّون كظلالٍ جائعةٍ على حوافّ الرصيف. أدركُ أنّ الفتاوى والعلماءَ قد جَرَّموا سكبَ الدنانير في أيديهم، بعدما تحوّلت الحاجةُ إلى خيوطٍ تحرّكُها عصاباتٌ تمرحُ في العتمة، فمشيتُ وبين قلبي وعقلي معركةٌ صامتة، أفرّ من بؤسٍ محبوكٍ إلى أملٍ ملقًى على القارعة.
وفجأةً، أبصرتُ واحةً وسطَ الصحراء؛ بسطيةَ كتبٍ قديمة، يرفعُ صاحبُها صوته بنغمةٍ أشبهَ بناقوسِ أمل: “الكتابُ بخمسِمائةِ دينار!”
جلستُ كمن يجثو أمامَ محرابِ التاريخ، أقلّبُ أطوامَ الورقِ الأصفَرِ وأغوصُ بين الأفكار. وفي غمرةِ البحث، جادتِ السطورُ بصيدٍ ثمين؛ وقعتُ على “قصة حب مجوسية”… يا لِعِظَمِ ما عثرتُ عليه! أسطورةٌ تجري بين جمر العاطفة ورماد القرون. وإلى جوارِها، أطلّت رواية “البحار” للكبير حنّا مينه، برداءٍ مُمزّق الغلافِ كأنّما خاضت الملاحةَ في عواطفِ البشرِ ونالت منها الأمواج. ولم تكتمل الأوركسترا إلا بكتابٍ صامتٍ في “المحاسبة الحكومية القديمة”، وآخر يُعلّم “الإملاء الواضح”. كانت تلك الرقعةُ تضمّ كنوزًا شتى بزهيدِ الثمن؛ جَمَعتُ الشتات، ونفحتُ الكتبيَّ ألفينِ من الدنانير، وأنا أشعرُ أنّي سرقتُ من الزمنِ ثروةً لا تُقدَّرُ بمال.
كان ذلكَ قبلَ أن تعبثَ يدُ السلطةِ بشريانِ العملة، يومَ رفعت سعرَ الدولار، لتلقيَ بالبلادِ في غياهبِ مَتاهةٍ من العَوَزِ والمجهول.
حثثتُ الخُطى نحو “مقهى الزهاوي”، أعوذُ بأركانهِ من رمادِ الفقر المتصاعد، بحثًا عن استراحةٍ وقبلةٍ من الشاي تُطفئُ جمرَ الغضبِ المستعرِ في صدري؛ غضبٌ من حكومةٍ باتت تُنازلُ مواطنَها في لقمةِ يومه. ولما وطئتُ العتبة، كان المكانُ مرجلًا يغلي بالخوف؛ وجوهُ الجالسينَ شاحبةٌ كأنّما هبطت عليهم الصاعقة، والعُيونُ شاخصةٌ في ذهولٍ من القرار الجائر. لم يكن هناك صراخ، بل همسُ عَتَبٍ حزين، يتسرّبُ بين أدخنةِ السجائر كأنه زفيرُ وطنٍ يُحتَضرُ بصمت.
الاربعاء 7 تشرين الأول 2026




