الدولار يأكل أرغفة الفقراء..!
عباس سرحان ||

استيقظ العراقيون صباح الأربعاء السابع من تشرين الأول على دينارٍ أخفّ وزنًا مما ناموا عليه. فقد قرّر البنك المركزي رفع سعر الدولار الرسمي من ١٣٢٠ دينارًا إلى ١٥٢٠ دينارًا، أي إن الدينار خسر في ليلةٍ واحدة نحو ثلاثة عشر في المئة من قيمته الرسمية.
وما كاد القرار يُعلن حتى سارعت جهاتٌ حكومية إلى طمأنة الناس بأن الإجراء لن يترك أثرًا سلبيًا على حياتهم، بلغةٍ تبدو كأنها تتحدّث عن بلدٍ آخر، له مصانعه وحقوله وأسواقه المكتفية بذاتها، لا عن العراق الذي يستهلك ولا ينتج.
العراق بلدٌ يستورد الطحين والرز والسكر والزيت، والدواء والملابس ومواد البناء وقطع الغيار، ويستورد حتى بعض ما يُستخرج من نفطه بعد تكريره في بلدان أخرى. وفي سوقٍ كهذه لا يُسعَّر شيءٌ بالدينار إلا ظاهرًا، أما الحقيقة فإن كل سلعةٍ معلّقةٌ بسعر الدولار كما تتعلّق الدلو بحبل البئر.
والتاجر العراقي لا يبيع بضاعته بالسعر الذي اشتراها به، بل بالسعر الذي سيشتري به غيرها غدًا. فالسلعة المكدّسة في المخزن منذ شهرين، والمدفوع ثمنها على السعر القديم، أُعيدت تسعيرتها هذا الصباح بحجّة أنها مستوردة. ولن يقف الارتفاع عند الثلاثة عشر في المئة، فالخوف والمضاربة يضيفان إلى كل زيادةٍ رسمية زيادةً أخرى خارج ما قرره البنك المركزي، والسوق الموازية التي بلغ فيها الدولار نحو ١٦٠٠ دينار قبل القرار ستجد فيه ذريعةً جديدة للصعود، وقد يصل سعره 2000دينار.
لم ينسَ العراقيون تجربة عام ٢٠٢٠، حين رُفع سعر الدولار من ١١٨٢ دينارًا إلى ١٤٥٠ دينارًا. يومها ارتفعت الأسعار في أيام، ثم أُعيد السعر إلى الانخفاض بعد عامين، فلم تعد الأسعار إلى ما كانت عليه. فالأسعار في أسواقنا تعرف طريق الصعود جيدًا، لكنها لا تملك طريقا للنزول.
الأخطر من ذلك أن صعود الدولار لا يقابله صعودٌ في الرواتب. فالموظف والمتقاعد يتقاضيان بالدينار، والدولة التي تقترض اليوم من مصارفها لتدفع الرواتب لا تملك أن تزيدها فلسًا. والحساب هنا لا يحتاج إلى خبير، فالموظف الذي يتقاضى سبعمئة وخمسين ألف دينار يعادل راتبه اليوم نحو ٤٩٣ دولارًا بعد أن عادل نحو ٥٦٨ دولارًا بالأمس.
هو قد خسر قرابة خمسةٍ وسبعين دولارًا من قيمة راتبه دون أن يُقتطع منه شيء. وحين ترتفع أسعار الغذاء والدواء والإيجار والنقل، فإن راتب الثلاثين يومًا سينفد في عشرين، وسيعيش المواطن الأيام الباقية من الشهر على الدَّين أو على الصبر. وأول من يدفع الثمن محدودو الدخل والمتقاعدون الذين لا مورد لهم غير الراتب، وهم ملايين في بلدٍ يقارب عدد سكانه سبعةً وأربعين مليونًا.
يقول المدافعون عن القرار إن الدولة مضطرة اليه. فإغلاق مضيق هرمز خفّض صادرات النفط التي تموّل نحو تسعين في المئة من الموازنة، والاحتياطي الأجنبي تراجع بنحو عشرين مليار دولار، والدولار الواحد من النفط يعطي الخزينة اليوم ١٥٢٠ دينارًا بدل ١٣٢٠، فيسدّ جزءًا من عجز الرواتب.
وهذه الحجّةٌ تعني أن الدولة ستدفع الرواتب بأرقامها نفسها بعد أن أفرغتها من قيمتها، وأن العجز لم يُعالَج بل نُقل من خزينة الدولة إلى مطبخ المواطن. وهذه ضريبةٌ خفية لا يقرّها برلمان ولا تُعلن في موازنة، يدفعها الفقير قبل الغني، لأن الفقير ينفق كل ما يتقاضاه على ما يأكل ويشرب، بينما الغني يملك ما يحتمي به من الغلاء.
ثم إن الطريقة التي اتُّخذ بها القرار تكشف خللًا لا يقلّ خطورة عن القرار نفسه. إجراءٌ مفاجئ، أُعلن مساءً ونُفّذ صباحًا، من غير تمهيد، ومن غير حزمةٍ تحمي الفئات الأضعف، ومن غير تعزيزٍ لمفردات البطاقة التموينية التي يعتمد عليها ملايين الناس.
فعصف بالسوق وأحدث فيها هزّةً عنيفة، وكأن أصحاب القرار لا يدركون أن سعر الصرف في العراق ليس رقمًا في جداول البنك المركزي، بل هو ثمن الرغيف وعلبة الدواء وأجرة الطريق إلى المدرسة.
لو أراد أصحاب القرار أن يخفّفوا الضغط على الخزينة لكان أمامهم طريقٌ أرحم بالسوق وأعدل بين الناس. كان بوسعهم أن يخفّضوا الرواتب العالية بنسبةٍ معلومة، رواتب الدرجات الخاصة والرئاسات والنواب والوزراء ومخصّصاتهم وامتيازاتهم، وأن يتدرّجوا في الخفض بحسب حجم الراتب.
ذلك أن أصحاب الدخول المرتفعة هم أكثر من يطلب السلع المستوردة الكمالية، وأكثر من يطلب الدولار للسفر والادّخار، فإذا تراجع دخلهم تراجع الطلب على تلك السلع وعلى الدولار معًا، فتهدأ الأسعار بدل أن تشتعل. ويتحمّل عبء الأزمة عندئذٍ من يقدر على حمله، لا من يحمل همّ توفير عشائه.
الدولة التي تسدّ عجزها من جيوب أفقر مواطنيها، ثم تطمئنهم بأنهم لن يشعروا بشيء، إنما تراهن على صبرهم. وصبر العراقيين طويل، لكنه ليس بلا نهاية.




