الاجتهاد المرفوض والاجتهاد المقبول..!
د. علي المؤمن ||

لا يجوز الاجتهاد في الثوابت، أي في الموضوعات التي يكون فيها نص صريح من الثابتين الملزمين المقدسين: القرآن وصحيح سنة النبي وآل بيته؛ ما يعني أن النبي وأئمة آل البيت لم يكونوا مجتهدين في التشريع، ولا يمارسون الاجتهاد بمعناه الحديث، بل أن أحكامهم قطعية ونافذة، دون قيود زمانية ومكانية؛ فالنبي يوحى إليه، والإمام علمه موصول بعلم النبي، لأنه وصيه.
والاجتهاد الذي ينهى عنه الأئمة هو الاجتهاد في زمان حضورهم، بوصف الإمام حجة الدين، وكذلك الاجتهاد مقابل النص، والاجتهاد في الثوابت، والقول بالرأي والاستحسان والقياس. وكانت أحاديث الأئمة في هذا المجال، تمثل رداً على صدور مواقف وآراء من الخلفاء والحكام والمحدثين والفقهاء غير الشيعة، هي في حقيقتها اجتهاد في مقابل النص، أو عملاً بالقياس والرأي والاستحسان.
أما الاجتهاد في معرفة تكليف المؤمنين في عصر الغيبة، في الموضوعات والوقائع التي ليس فيها نص صريح، أي التي تدخل في منطقة التفويض التشريعي، ومتغيراتها ومستحدثاتها ومستجداتها، سواء كانت فردية أو جماعية أو لها علاقة بتشريعات الدولة ونظمها وعموم الشأن العام؛ فهو الخيار الوحيد في عصر الغيبة؛ شرط أن تكون أحكامها مستنبطة من الثوابت (القرآن وصحيح السنة)، وأن يكون من يستنبطها فقيهاً عادلاً، وليس أي شخص.
ولذلك؛ تم وضع الأدوات الاجتهادية والعلوم العقلية الكاشفة، وفي مقدمتها علم أصول الفقه، ليكون أداة يستخدمها المتخصص، ليستنبط بناء على قواعدها (الأصول والأمارات)، وكذلك الأدوات الأُخر، وأهمها: اللغة العربية لوعي النص ودلالات ألفاظه، وعلم الرجال، لمعرفة سلسلة الرواة ومصداقيتهم، وعلم دراية الحديث، لتصحيح الأحاديث، لأن روايات كتب الحديث، ومنها كتبنا الأربعة، هي روايات معنعنة شفاهياً قبل مرحلة التدوين، ومن الطبيعي أن يتسرب إليها التصحيف والتحريف والوضع؛ فكان لا بد من إخضاعها لمبضع أهل الدراية والرجال، لفرز الصحيح والمتواتر والآحاد والمرسل.
وبالتالي؛ فإن ما يقوله الأخباريون هو كلام عفا عليه الزمن، لأن دلالات حججهم خاصة بعصر حضور المعصوم، بل أنهم لا يلتزمون بها عملياً عند استنطاق النص لمعرفة الحكم الشرعي في الوقائع الجديدة، ويضطرون الى الأخذ بأدوات الاجتهاد ضمناّ. وهناك آلاف المواضيع التي استحدثت، منذ وقوع الغيبة وحتى الآن، وليس فيها نص أو نص صريح، وخاصة في مجال المعاملات والشأن العام، ولا يمكن معرفة التكليف حيالها إلا عبر آلية الاجتهاد وعلومه العقلية الكاشفة.
ويمكن مراجعة تفاصيل هذه القضايا في كتابي “الاجتماع الديني الشيعي”، والذي شرحت فيه الخلافات العلمية بين الأصوليين والأخباريين، وأجبت على إشكالات الأخباريين المتأخرين، وذكرت فيه بأن الشيخين الصدوق والكليني، ثم الاسترابادي والمجلسي؛ لو كانوا أحياءً اليوم، لأخذوا بآلية الاجتهاد وأدواته، وهو ما كان يردده دائماً الشيخ الوحيد البهبهاني زعيم المدرسة الأصولية، الذي أسدل بحججه الستار على وجود المدرسة الأخبارية في كربلاء والنجف وإيران؛ إذ تمثل حججه وحجج غيره من علماء الشيعة من بعده، ككاشف الغطاء والأنصاري والآخوند، وصولاً الى المظفر والصدر، دلالة واقعية وعملية على أن الابتعاد الزمني عن عصر التشريع، يقود تلقائياً الى حتمية الأخذ بآلية الاجتهاد وأدواته المتمثلة بعلوم الأصول والدراية والرجا.




