الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

أنصار الله: التصعيد العسكري وأبعاده السياسية والعقائدية..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

يشهد اليمن تصعيداً عسكرياً متزايداً، في ظل توترات إقليمية واسعة واشتباكات متفرقة بين قوات مجلس القيادة الرئاسي المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، وبين حركة أنصار الله (الحوثيين). وتشمل المواجهات مناطق عدة، إلى جانب الاستهدافات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة، بما يعيد إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز حدود الميدان العسكري. هل يمثل هذا التصعيد محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى، أم أنه مقدمة لدورة جديدة من الحرب المفتوحة؟
تنظر حركة أنصار الله إلى التحركات العسكرية المناوئة لها باعتبارها امتداداً لما تسميه العدوان الكوني، وترى في الحكومة والقوى المدعومة من التحالف واجهة لمصالح إقليمية ودولية، ولا سيما الأمريكية والغربية. ومن هذا المنظور، تُقرأ أي عملية عسكرية جديدة داخلياً وإعلامياً باعتبارها دليلاً على عدم جدية الطرف الآخر في مسار السلام، ومحاولة لإعادة فرض معادلة القوة على صنعاء. ولا يقتصر توظيف هذا الخطاب على الجانب الإعلامي، بل يؤدي وظيفة سياسية وعقائدية في آن واحد؛ إذ تتحول المواجهة العسكرية إلى وسيلة لحشد المقاتلين والدعم المالي واللوجستي، من خلال تقديم الصراع باعتباره دفاعاً عن السيادة اليمنية ومواجهة لمخططات خارجية. وهنا تتداخل العقيدة مع السياسة، بحيث لا تعود الحرب مجرد مواجهة على الأرض، وإنما تصبح جزءاً من سردية أوسع تمنح الجماعة قدرة أكبر على تعبئة جمهورها والمحافظة على تماسك جبهتها الداخلية. وفي المقابل، تربط أنصار الله بين التصعيد الداخلي ومواقفها المعلنة تجاه الحرب في فلسطين، وكذلك عملياتها البحرية في البحر الأحمر وباب المندب ضد السفن التي تقول إنها مرتبطة بإسرائيل أو حلفائها. وترى الجماعة أن الضغوط العسكرية والسياسية عليها تأتي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في سياق إقليمي أوسع يستهدف دفعها إلى وقف هذه العمليات والحد من قدرتها على استخدام موقع اليمن الجغرافي كورقة ضغط في الصراع الإقليمي.
ومن هنا، لم يعد البحر الأحمر وباب المندب مجرد مسرح منفصل عن الأزمة اليمنية، بل أصبحا جزءاً من معادلتها السياسية والعسكرية. فكلما اتسعت دائرة التوتر الإقليمي، ازدادت أهمية الموقع الجغرافي لليمن في حسابات الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، وأصبح التحكم بمستوى التصعيد البحري أحد عناصر التأثير في مسار الصراع. عسكرياً، تختبر المواجهة قدرة أنصار الله على الحفاظ على منظومة الردع التي راكمتها خلال سنوات الحرب، والاستفادة من خبرتها في حرب الاستنزاف والدفاع المتحرك. كما تحاول الجماعة، من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة، التأثير في العمق الاستراتيجي للطرف الآخر واستهداف خطوط الإمداد والمنشآت الحيوية، بهدف منع أي زخم عسكري من التحول إلى مكاسب ميدانية مستدامة.
لكن البعد العسكري لا يمكن فصله عن البعد التفاوضي. فكل طرف يدرك أن موازين القوة على الأرض ستؤثر في أي مفاوضات سياسية مقبلة. ولذلك قد لا يكون الهدف من التصعيد تحقيق الحسم العسكري الكامل بقدر ما هو تحسين شروط التفاوض، ورفع كلفة الخصم، وإعادة توزيع أوراق القوة قبل الوصول إلى أي تسوية.
ومن منظور مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المدعومة سعودياً، لا يُنظر إلى التحركات العسكرية باعتبارها مجرد مواجهة مفاجئة، وإنما باعتبارها محاولة لكسر حالة لا سلم ولا حرب التي استمرت فترة طويلة، وأتاحت لـ أنصار الله تعزيز مواقعها الدفاعية والاقتصادية، وتطوير قدراتها العسكرية، وتثبيت نفوذها في مناطق سيطرتها.
وبذلك، يمكن فهم التحرك العسكري من جانب مجلس القيادة باعتباره محاولة لاستعادة الردع وتحسين الموقع التفاوضي، وليس بالضرورة باعتباره مشروعاً لحسم الحرب عسكرياً؛ فالمعادلة الأكثر واقعية في اليمن تبدو مرتبطة بقدرة كل طرف على الوصول إلى طاولة التفاوض وهو يمتلك أوراق قوة أكثر من خصمه.
وفي المقابل، تراهن أنصار الله على توظيف خطاب المعركة الكونية ومساندة فلسطين، إلى جانب الموقع الجغرافي لليمن، في الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية وتوسيع هامش حركتها الإقليمية. وهنا يصبح البعد العقائدي جزءاً من أدوات القوة السياسية، لا مجرد خطاب تعبوي موازٍ للميدان العسكري.
أما على صعيد التسوية، فإن استمرار التصعيد يضع جهود الوساطة الإقليمية والدولية أمام اختبار صعب، ولا سيما الجهود العمانية والأممية الرامية إلى تثبيت المسار السياسي ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية. فكل جولة جديدة من التصعيد ترفع منسوب عدم الثقة بين الأطراف، وتزيد صعوبة العودة إلى مسار تفاوضي مستقر.
وفي المحصلة، يبدو أن الصراع اليمني يقف أمام معادلة شديدة التعقيد. أنصار الله تسعى إلى الحفاظ على مكاسبها العسكرية والسياسية وتوظيف بعدها العقائدي وموقع اليمن الجغرافي لتعزيز نفوذها، بينما يحاول مجلس القيادة الرئاسي إعادة بناء معادلة ردع تتيح له تحسين شروط التسوية.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم. هل يقود التصعيد الحالي إلى حسم عسكري يصعب تحقيقه، أم أنه محاولة لإعادة توزيع أوراق القوة قبل العودة إلى طاولة التفاوض؟ فإذا كان الخيار الثاني هو الأقرب، فإن مستقبل اليمن لن تحدده الجبهات الداخلية وحدها، بل ستحدده أيضاً طبيعة التفاعلات الإقليمية، ومستوى التصعيد في البحر الأحمر، وقدرة الأطراف على تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض.