بعد إيران.. هل يأتي الدور على الإسلام السياسي السني؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

هل دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة لا تستهدف إيران وحدها، وإنما تستهدف إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية؟
السؤال يبدو كبيراً، وربما مثيراً للجدل، لكنه يستحق أن يُطرح في ضوء التحولات العسكرية والسياسية المتسارعة.
المواجهة مع إيران لم تعد مجرد صِراع حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. المنطقة تشهد إعادة ترتيب للقوى، وتغييرًا في التحالفات، وتصاعدًا في الحديث عن منظومة أمن إقليمية جديدة، ومن هنا يمكن طرح فرضية أبعد: إذا نجحت عملية تحجيم النفوذ الإيراني، فهل ستكون النهاية عند إيران، أم أن المشروع الأوسع يستهدف لاحقاً مراكز القوة الإسلامية السياسية الأخرى؟
المقصود هنا ليس الإسلام كدين، وإنما الإسلام السياسي كقوة سياسية وإقليمية؛ سواء إرتبط بالنموذج الإيراني الشيعي، أو بالنماذج والحركات السنية التي إرتبطت بدرجات مختلفة بدول مثل تركيا والسعودية وغيرها.
المؤشرات الحالية لا تثبت وجود خطة معلنة لتدمير هذه القوى تباعاً، لكنها تكشف عن إعادة تشكيل فعلية لخريطة التحالفات.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه إيران لضغط عسكري وسياسي كبير، نشأ في المقابل إطار دفاعي جديد يجمع السعودية وتركيا وباكستان، وسيتم تفعيل هذا الإطار فعلاً وهو ما يفتح الباب أمام نظام أمني إقليمي مختلف عن النظام الذي عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الولايات المتحدة تدفع بإتجاه توسيع إتفاقات إبراهام، وربطت في يوليو الماضي التعاون النووي المدني مع السعودية بإنضمامها إلى الإتفاقيات والتطبيع مع إسرائيل، بينما لا تزال الرياض تربط التطبيع بتحقيق تقدم في إقامة الدولة الفلسطينية.
وهنا تظهر المسألة الأكثر أهمية: هل إتفاقات إبراهام مجرد إتفاقات تطبيع، أم أنها جزء من مشروع أكبر لإعادة صياغة الشرق الأوسط سياسيًا وأمنياً وإقتصادياً؟
إذا كان الهدف هو بناء منظومة إقليمية جديدة، فمن الطبيعي أن يكون السؤال التالي: ماذا سيحدث للقوى التي تملك مشاريع إقليمية مستقلة عن هذه المنظومة؟
إيران تملك مشروعًا إقليمياً واضحاً، وشبكة حلفاء وفصائل مسلحة في عدد من دول المنطقة.
وفي المقابل، تركيا والسعودية تملكان نفوذاً سياسياُ وأمنياً واقتصادياً كبيراُ، وتتحركان اليوم أيضاُ ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.
لذلك، قد لا تكون القضية ببساطة: أمريكا وإسرائيل ضد إيران، بل ربما تكون الصورة الأوسع: منظومة إقليمية قديمة تتفكك، ومنظومة جديدة تحاول أن تولد، والأساطيل والقواعد والقوات التي تنتشر في الشرق الأوسط لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المواجهة مع إيران؛ فوجود قوة بحرية أمريكية كبيرة، بما في ذلك الإستعداد لإرسال ما يصل إلى ثلاث حاملات طائرات ومجموعات مرافقة إلى المنطقة، يعكس إستعداداً عسكرياً لمرحلة مفتوحة على إحتمالات متعددة.
لكن السؤال الذي يجب ألا نتجاهله هو: إذا إنتهى الصِراع مع إيران بتسوية أو بتحجيم نفوذها، فهل ستتوقف عملية إعادة تشكيل المنطقة عند هذا الحد؟ أم أن المرحلة التالية ستكون إعادة تعريف دور القوى السنية الكبرى، وعلى رأسها تركيا والسعودية، بحيث تصبح جزءاً من النظام الإقليمي الجديد بدل أن تكون مراكز مستقلة لمشاريع إقليمية خاصة؟
ربما لهذا السبب يجب ألا ننظر إلى الشرق الأوسط بعين المعركة الحالية فقط.
المواجهة مع إيران قد تكون حرباً بحد ذاتها، وقد تكون في الوقت نفسه مرحلة من مراحل إعادة ترتيب أكبر.
والإختبار الحقيقي ربما لن يكون ماذا سيحدث لإيران؟ إنما ماذا سيحدث للمنطقة بعد إيران؟ وهنا تحديداً تصبح إتفاقات أبراهام، والتحالفات الجديدة، ومسألة السلاح والنفوذ الإقليمي، والوجود العسكري الأمريكي، أجزاءً من صورة واحدة تحتاج إلى قراءة هادئة بعيداً عن الإنفعال.
فإذا كانت المنطقة تتجه فعلًا نحو نظام إقليمي جديد، فإن السؤال الأكبر ليس من ينتصر في الحرب الحالية، وإنما: من سيضع قواعد الشرق الأوسط الجديد؟ ومن سيقبل بها؟ ومن سيجد نفسه خارجها؟
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




