الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026
منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

بعد ثلاثة أسابيع تُفتح صناديق الاقتراع في إسرائيل، لكن أثر ما سيخرج منها لن يبقى داخل حدودها. ففي هذه المنطقة، حين يقلق حاكم على كرسيه، تدفع الجغرافيا كلها ثمن قلقه. وبنيامين نتنياهو يتحرك اليوم كرجل يعرف أن الحبل صار أقصر من أي وقت مضى.

لقد انتهى زمن الائتلاف الذي كان يحميه. حُلّ الكنيست رسمياً في السابع عشر من يوليو 2026، وحُدد موعد الانتخابات في السابع والعشرين من أكتوبر. ولا يجد الرجل في الأرقام ما يطمئنه. فآخر استطلاعات القناة 13 تمنح معسكره 54 مقعداً مقابل 52 للمعارضة الصهيونية و14 للأحزاب العربية، والأغلبية تحتاج إلى 61. وفي استطلاع آخر تعادل المعسكران عند 52 مقعداً لكل منهما، بينما منحته دراسة ثالثة 51 مقعداً مقابل 53 لخصومه. هذه صورة رجل يقف على حافة، لا على أرض صلبة.

والأخطر أن اسمه نفسه صار عبئاً على حزبه. فحزب (يشار)، بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، يتصدر القوائم بـ21 مقعداً مقابل 19 لليكود. وحين يُسأل الإسرائيليون عن الأنسب لرئاسة الحكومة، يتقدم آيزنكوت على نتنياهو بنسبة 47% مقابل 41%، ويتقدم عليه نفتالي بينيت بـ45% مقابل 41%. غير أن الصورة ليست أحادية، فاستطلاع آخر وجد أن 39% يفضلون نتنياهو رئيساً للحكومة مقابل 38% لآيزنكوت. وهذا ما يجعل القلق مفهوماً: الفوز ممكن، والسقوط ممكن، ولا شيء مضمون.

ويقف خلف هذا التقدم الضئيل انقسام خصومه لا قوته. فرفض أحزاب المعارضة اليهودية الدخول في ائتلاف يضم الأحزاب العربية هو ما يبقي معسكره في المنافسة. إنه مقامر ينتظر أخطاء غيره أكثر مما هو زعيم يصنع الموجة.

لكن الأرقام ليست جوهر الحكاية. الجوهر أن الكرسي كان درعه لسنوات: رئيس حكومة يُحاكَم لكنه يحكم. وهو يدرك أن الدرع إذا سقط فالمحكمة تنتظره. ولذلك طلب من الرئيس هرتسوغ عفواً يُنهي محاكمته قبل صدور الحكم وبلا اعتراف بالذنب، وحين سُئل إن كان سيعتزل لو نال العفو أجاب بكلمة واحدة: (لا). ومن يطلب النجاة بلا ثمن، لا يكون مطمئناً إلى أن الأمور بخير.

ثم يأتي الملف الذي يتجاوز القضاء إلى التاريخ: السابع من أكتوبر. فأكثر من نصف الإسرائيليين يرون في لجنة تحقيق مستقلة الطريق الأنسب لدراسة الإخفاق، ومع ذلك تقترب الانتخابات ولم تُشكَّل أي لجنة تحقيق رسمية. والتأجيل نفسه جزء من الحكاية، فلجنة تصدر نتائج قاسية قبل الاقتراع لا يمكن أن تصب إلا ضده. غير أن تأجيل التحقيق لا يطفئ الأسئلة. فقد تحدث تقرير صحفي حديث عن تحذير بلغه من رئيس الإمارات قبل الهجوم، وينفي نتنياهو ذلك نفياً قاطعاً. والمهم هنا ليس حسم الرواية، فهي لا تزال محل نزاع، بل أن السؤال القديم (هل كان يعلم؟) عاد إلى قلب الحملة بعد أن ظن أنه دفنه.

وخصمه الأخطر يعرف أين يضرب. فقد جعل آيزنكوت من لجنة التحقيق الرسمية محور برنامجه، ووعد بقانون أساس يحدد ولاية رئيس الحكومة بثماني سنوات. أي أنه يعرض على الناخب الأمرين اللذين يخشاهما نتنياهو معاً: المحاسبة والنهاية.

ومن هنا يعود شبح لجنة أغرانات وحرب 1973. وللدقة، فإن اللجنة آنذاك لم تُدِن غولدا مائير وموشيه ديان مباشرة، لكن غضب الشارع جرفهما إلى الاستقالة. وهذا بالضبط ما يرعبه: أن تكون العقوبة سياسية قبل أن تكون قضائية، وأن يصدر الحكم من الصندوق لا من القاعة.

ومع ذلك فمن الخطأ دفنه سلفاً. فهذا رجل اعتاد الإسرائيليون أنفسهم أن ينسبوا إليه قدرة الساحر على استخراج مخرج من كل مأزق، وأن يتوقعوا منه فعل أي شيء للبقاء في السلطة مهما كان الثمن. وهذا ما يجعل الأسابيع المقبلة الأخطر في الحكاية: فالرجل المحاصر الذي لا يملك ما يخسره قد يكون أشد خطراً من الرجل المطمئن.

وهنا يتسع المشهد من إسرائيل إلى الإقليم والعالم. فالحكام المحاصرون لا يخوضون معاركهم الأخيرة في ساحاتهم الداخلية وحدها، وحسابات الكرسي كثيراً ما تتسلل إلى قرارات الحرب والتهدئة. وعواصم المنطقة، من بغداد إلى بيروت وطهران وعمّان، تعرف أن اتساع جبهة أو انكماشها قد يتأثر بما يدور في غرفة رجل يقاتل من أجل بقائه. أما واشنطن وبقية العواصم الكبرى فتراقب وهي تدرك أن نتيجة هذا الاقتراع ستحدد شكل التفاوض والتحالفات في السنوات المقبلة. لذلك لا يصح أن يمر هذا الشهر على المنطقة مرور المتفرج.

فنتنياهو لا يخشى خسارة الانتخابات وحدها، بل يخشى ما بعدها: محكمة بلا حصانة، وتحقيقاً بلا حماية، وتاريخاً بلا تبرير. وفي السابع والعشرين من أكتوبر لن يقرر الناخب من يحكم فحسب، بل أي نهاية سيكتبها الرجل الذي حكم أطول من أي أحد.