الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

العلاقة بين العشائر العراقية والحكومة..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

 الشيخ أكبر علي الشحماني ||

 

 

‏مقدمة
‏تمثل العشائر العراقية إحدى أهم البنى الاجتماعية التي حافظت على حضورها في المجتمع العراقي عبر مراحل تاريخية متعاقبة. ولم تقتصر وظيفتها على الروابط الاجتماعية، بل كان لها حضور في الأحداث الوطنية والسياسية والأمنية، وفي معالجة النزاعات المحلية وتعزيز التماسك الاجتماعي.
‏وفي الدولة الحديثة، تبرز مسألة أساسية: كيف يمكن تنظيم العلاقة بين العشيرة والحكومة بحيث تكون العشائر سنداً للدولة والقانون، من دون أن تتحول الأعراف أو القوة العشائرية إلى بديل عن مؤسسات الدولة؟
‏الدستور العراقي وضع أساساً واضحاً لهذه العلاقة، إذ نصت المادة 45 على أن الدولة «تحرص على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها» بما ينسجم مع الدين والقانون، وفي الوقت نفسه تمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان.
‏أولاً: الجذور التاريخية للعلاقة
‏العشيرة كانت، تاريخياً، من أبرز المؤسسات الاجتماعية في العراق، خصوصاً في المناطق الريفية والمحافظات التي حافظت على التركيبة العشائرية بصورة قوية. وقد أدت في فترات مختلفة أدواراً تتعلق بحماية أفرادها، وحل النزاعات، وإدارة العلاقات الاجتماعية.
‏كما ارتبطت العشائر العراقية ببعض المحطات الوطنية الكبرى؛ ومن أبرزها ثورة العشرين عام 1920، التي شاركت فيها عشائر وقوى اجتماعية وسياسية عراقية في مواجهة الانتداب البريطاني.
‏وهذا الإرث التاريخي جعل العلاقة بين الدولة والعشائر ذات بعد يتجاوز الجانب الاجتماعي إلى المجال الوطني.
‏ثانياً: الاعتراف الدستوري بدور العشائر
‏لم يتجاهل الدستور العراقي وجود العشائر، بل منحها إطاراً دستورياً واضحاً.
‏فالمادة 45 من الدستور تؤكد أهمية النهوض بالقبائل والعشائر والاهتمام بشؤونها، لكنها تربط ذلك بالدين والقانون وحقوق الإنسان. وهذا يعني أن العشيرة جزء من المجتمع، وليست سلطة موازية لسلطة الدولة.
‏وهنا تظهر قاعدة مهمة:
‏الدولة تحترم العشيرة، والعشيرة تحترم الدولة والقانون.
‏ثالثاً: العشائر ودعم الاستقرار والأمن
‏يمكن للعشائر أن تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الاستقرار، خصوصاً بسبب قدرتها على التأثير الاجتماعي والتواصل مع أبناء مناطقها.
‏وقد أكدت الحكومة العراقية في مناسبات مختلفة أهمية هذا الدور. ففي عام 2024، وصف رئيس الوزراء آنذاك العشائر بأنها عنصر من عناصر الأمن والتلاحم الاجتماعي، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة تحصين مؤسسات الدولة.
‏كما شهدت مناطق من العراق مؤتمرات عشائرية أعلنت دعم الأجهزة الأمنية ومكافحة المخدرات وحصر السلاح بيد الدولة.
‏ومن هنا يمكن للعشيرة أن تساهم في:
‏منع النزاعات قبل تفاقمها.
‏دعم السلم الأهلي.
‏التعاون مع الأجهزة الأمنية.
‏مكافحة المخدرات والجريمة.
‏نشر ثقافة احترام القانون.
‏المساهمة في المصالحات الاجتماعية.
‏رابعاً: العشيرة والقانون
‏من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين العشيرة والدولة قضية الفصل العشائري والنزاعات المسلحة.
‏فالصلح العشائري يمكن أن يكون وسيلة اجتماعية للمصالحة، لكنه لا ينبغي أن يحل محل القضاء أو يعطل الإجراءات القانونية.
‏فإذا وقعت جريمة، فإن مسؤولية التحقيق والمحاكمة والعقوبة تقع على مؤسسات الدولة المختصة، بينما يمكن للعشائر أن تساعد في التهدئة والمصالحة الاجتماعية ضمن الحدود التي يسمح بها القانون.
‏وبذلك تكون المعادلة:
‏العشيرة تساعد في المصالحة، والدولة تتولى تطبيق القانون.
‏وهذا يتفق مع الدستور الذي يمنع الأعراف العشائرية المخالفة لحقوق الإنسان والقانون.
‏خامساً: السلاح والعلاقة بين العشيرة والدولة
‏يعد السلاح من أكثر الملفات تأثيراً في العلاقة بين الطرفين.
‏فوجود السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة يمكن أن يحول بعض النزاعات الاجتماعية إلى مواجهات خطيرة، ولذلك يرتبط استقرار الدولة بمبدأ احتكار القوة القانونية من جانب المؤسسات الرسمية.
‏وفي الخطاب الحكومي العراقي الحديث، جرى التأكيد بصورة متكررة على حصر السلاح بيد الدولة، مع دعوة العشائر إلى دعم هذا التوجه ومنع استخدام السلاح في النزاعات العشائرية.
‏وبالتالي فإن قوة العشيرة الحقيقية في الدولة الحديثة لا تقاس بعدد الأسلحة، وإنما بقدرتها على حماية السلم الاجتماعي ودعم القانون.
‏سادساً: العشائر والتنمية والخدمات
‏لا ينبغي أن تقتصر علاقة الحكومة بالعشائر على الأمن والمناسبات الاجتماعية.
‏فالعشائر موجودة في قرى وأرياف ومناطق تحتاج إلى الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل والمياه والزراعة والتعليم والصحة.
‏ومن هنا يمكن لشيوخ العشائر ووجهائها أن يكونوا حلقة وصل بين المجتمع والحكومة من خلال نقل المطالب الحقيقية للسكان، بعيداً عن المحاباة أو التمييز.
‏وقد شهدت لقاءات حكومية مع شيوخ عشائر مناقشة قضايا التنمية الزراعية والري والمشاريع الخدمية والاقتصاد المحلي.
‏سابعاً: مخاطر تسييس العشيرة
‏هناك فرق بين المشاركة السياسية للعشائريين بصفتهم مواطنين وبين تحويل العشيرة نفسها إلى أداة سياسية.
‏فالعشيرة جزء من المجتمع، وأفرادها لهم الحق في المشاركة السياسية والترشح والانتخاب، لكن من المهم ألا تتحول الروابط العشائرية إلى وسيلة لفرض النفوذ على مؤسسات الدولة أو الحصول على امتيازات خارج القانون.
‏لذلك تحتاج العلاقة السليمة إلى التمييز بين:
‏التمثيل الاجتماعي المشروع
‏و
‏التدخل في اختصاص مؤسسات الدولة.
‏ثامناً: العلاقة المتوازنة المطلوبة
‏يمكن بناء علاقة مستقرة بين الحكومة والعشائر من خلال مجموعة من المبادئ:
‏احترام الدستور والقوانين.
‏دعم سلطة القضاء وعدم تعطيلها.
‏رفض استخدام السلاح في النزاعات العشائرية.
‏تشجيع المصالحات الاجتماعية القانونية.
‏إشراك العشائر في برامج مكافحة المخدرات والجريمة.
‏الاهتمام بالمناطق الريفية والزراعية.
‏منع استغلال العشائر للحصول على مكاسب غير مشروعة.
‏تعزيز التعاون بين شيوخ العشائر والأجهزة الحكومية.
‏اعتماد الحوار لحل المشكلات المحلية.
‏تعزيز مفهوم المواطنة بحيث يكون جميع العراقيين متساوين أمام القانون.
‏تاسعاً: العشيرة والدولة الحديثة
‏الدولة الحديثة لا تقوم على إلغاء المجتمع العشائري، كما أن المجتمع العشائري لا يستطيع أن يحل محل الدولة.
‏المطلوب هو التكامل بين الدور الاجتماعي للعشيرة والدور القانوني للمؤسسات الحكومية.
‏فالعشيرة تمتلك تأثيراً اجتماعياً، بينما تمتلك الدولة المؤسسات الدستورية والقانونية والأمنية والقضائية. وعندما يعمل الطرفان ضمن اختصاصاتهما، يمكن أن يتحول النفوذ الاجتماعي للعشيرة إلى عامل استقرار بدلاً من أن يكون مصدراً للنزاع.
‏خاتمة
‏إن العلاقة بين العشائر العراقية والحكومة علاقة ذات جذور تاريخية واجتماعية عميقة، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها علاقة أمنية فقط. فالعشيرة تمثل مكوناً اجتماعياً مهماً، والدولة تمثل الإطار الدستوري والقانوني الجامع لجميع المواطنين.
‏والصيغة الأكثر استقراراً لهذه العلاقة تقوم على احترام الدولة للعشائر، واحترام العشائر للدولة والقانون؛ بحيث تساهم العشائر في حفظ السلم الأهلي والمصالحة الاجتماعية ومكافحة الجريمة، بينما تبقى مسؤولية القضاء والأمن والتشريع وإنفاذ القانون بيد مؤسسات الدولة المختصة.
‏وفي السنوات الأخيرة، ظهرت مواقف عشائرية معلنة تؤكد دعم جهود الحكومة والقضاء في مكافحة الفساد، وهو مثال على إمكانية توجيه التأثير الاجتماعي للعشائر نحو دعم مؤسسات الدولة بدلاً من منافستها.
‏فالهدف ليس دولة بلا عشائر، ولا عشائر بلا دولة، وإنما دولة قوية تحترم مجتمعها العشائري، وعشائر وطنية تسند القانون وتحمي السلم الأهلي.