رجل لا يغادر المشهد؟!
مجيد الكفائي ||
باحث في الشأن السياسي

كبير السياسيين العراقيين عمرًا وتجربةً وعملًا حزبيًا وأحد أكثر الشخصيات السياسية العراقية التي عاشت مراحل المعارضة والصراع السياسي قبل الوصول إلى قمة السلطة .
يعرف معنى أن يكون الإنسان مطلوبًا منذ شبابه وأن يعيش سنوات طويلة بعيدًا عن وطنه ثم يعود ليجد نفسه أمام مسؤولية قيادة العراق في مرحلة من أكثر مراحله تعقيدًا .
نوري المالكي لم يدخل السياسة من بوابة المناصب بل جاء إليها من تجربة حزبية طويلة صنعت لديه خبرة في قراءة المشهد السياسي وفهم موازين القوى والتعامل مع الخصوم والحلفاء .
وهذه الخبرة جعلته في مراحل كثيرة لاعبًا رئيسيًا في صناعة القرار العراقي .
تولى رئاسة الوزراء في ظروف استثنائية كان العراق خلالها يواجه تحديات أمنية وسياسية وطائفية واقتصادية كبيرة .
وفي مثل هذه الظروف لا تكفي الرغبة في الحكم بل يحتاج القائد إلى القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية والصبر على الضغوط والقدرة على المناورة السياسية .
ولعل من أبرز الصفات التي يمكن ملاحظتها في شخصية المالكي طول النفس السياسي .
فقد بقي حاضرًا في المشهد لعقود رغم تغير الحكومات والتحالفات والظروف ولم يكن من السهل إخراجه من المعادلة السياسية .
وهذه القدرة على الاستمرار تكشف عن تجربة سياسية تراكمت عبر سنوات طويلة.
وهنا يمكن أن نستحضر من باب المقارنة لا المطابقة اسم نوري السعيد أحد أبرز رجال السياسة في تاريخ العراق الحديث الذي ارتبط اسمه بعقود من العمل السياسي وتولي مسؤوليات حكومية متعددة
والمقارنة لا تعني تشابه الظروف أو السياسات فلكل رجل عصره ومؤسساته وأدواته وإنما المقصود هو الحضور السياسي الطويل والقدرة على البقاء داخل مركز صناعة القرار .
وفي جانب آخر يمكن أن يذكّرنا أسلوب المالكي في قراءة موازين القوى والتعامل مع التحالفات بشخصية هنري كيسنجر الذي كان من أبرز رجال السياسة والدبلوماسية الأمريكية وشغل منصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية .
ليس المالكي كيسنجر وليس نوري السعيد ولا يصح وضع الشخصيات الثلاث في ميزان واحد لكن هناك مساحة للمقارنة في فن إدارة التوازنات السياسية وقراءة مصالح الأطراف ومعرفة متى يكون التحالف ضرورة ومتى يصبح الخلاف جزءًا من إدارة الصراع السياسي .
فالسياسة في النهاية ليست مجرد خطابات ومواقف معلنة وإنما هي معرفة دقيقة بمصالح الأطراف ونقاط القوة والضعف وطبيعة التحالفات التي يمكن أن تتغير من مرحلة إلى أخرى .
ومن الصفات التي تميّز تجربة المالكي أيضًا القدرة على المحافظة على النفوذ السياسي بعد مغادرة المنصب .
وهذه مسألة تستحق التوقف عندها لأن كثيرًا من السياسيين ينتهي تأثيرهم بانتهاء مواقعهم الرسمية بينما بقي اسم المالكي حاضرًا في المشهد السياسي العراقي بعد خروجه من رئاسة الوزراء .
كما يمتلك المالكي بحسب ما تكشفه تجربته السياسية قدرة واضحة على تحمل الضغوط والاستمرار في المواجهة السياسية .
وقد تكون هذه الصفة موضع تقدير عند مؤيديه وموضع نقد عند خصومه لكنها في كل الأحوال جزء أساسي من شخصيته السياسية التي جعلته حاضرًا في المشهد طوال هذه السنوات .
وتتضح أهمية تجربته أيضًا من خلال الأجيال السياسية التي عملت معه أو اقتربت منه أو خرجت من بيئته السياسية ثم أصبح بعض أفرادها لاحقًا من أبرز اللاعبين في العراق .
فالسياسي الذي يستمر عقودًا في العمل العام لا بد أن يترك أثرًا في مدرسة سياسية كاملة سواء اتفق الآخرون مع هذه المدرسة أو اختلفوا معها .
لكن الإنصاف يقتضي ألا تتحول قراءة المالكي إلى مديح مطلق أو نقد مطلق .
فالرجل كأي شخصية سياسية كبيرة له قراراته التي يراها مؤيدوه ضرورية وله سياسات وقرارات تعرضت للنقد من خصومه ومراقبين آخرين .
ولذلك فإن تقييم تجربته يحتاج إلى وضع قراراته في سياق الظروف التي حكم فيها العراق ومقارنتها بنتائجها بعيدًا عن التقديس أو التشويه.
ومع ذلك تبقى حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها وهي : أن نوري المالكي أصبح جزءًا من تاريخ العراق السياسي الحديث .
فالسياسي الذي عاصر مراحل المعارضة ثم وصل إلى رئاسة الوزراء ثم غادر المنصب وبقي حاضرًا ومؤثرًا في الحياة السياسية لا يمكن النظر إليه باعتباره سياسيًا عابرًا .
ربما لهذا يمكن أن نفهم لماذا بقي اسم المالكي حاضرًا في كل حديث عن مستقبل السياسة العراقية فهو لا ينتمي إلى جيل السياسيين الذين تبدأ تجربتهم بالمنصب وتنتهي بانتهائه وإنما إلى جيل تشكلت شخصيته عبر عقود من الصراع السياسي والتنظيم الحزبي والتحالفات والمواجهات .
المالكي في نهاية المطاف ليس مجرد رئيس وزراء سابق بل تجربة سياسية عراقية كاملة فيها ما يُمدح وما يُنتقد وفيها ما يحتاج إلى قراءة تاريخية هادئة بعيدًا عن الانفعال .
وإذا كان نوري السعيد يمثل في الذاكرة العراقية نموذج السياسي طويل التجربة وكان كيسنجر يمثل في السياسة الدولية نموذج رجل الدولة الذي عرف كيف يدير موازين القوى والتفاوض فإن المالكي يمثل نموذجًا عراقيًا معاصرًا لسياسي طويل النفس شديد الحضور يعرف تعقيدات اللعبة السياسية ويعرف قبل ذلك أن السياسة ليست وصولًا إلى السلطة فقط بل قدرة على البقاء داخل دائرة التأثير عندما تتغير السلطة والظروف.




