الاثنين - 05 اكتوبر 2026

حين تتحول الدولة إلى غنيمة سياسية..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 05 اكتوبر 2026

عامر جاسم العيداني ||

 

 

في الوقت الذي يعيش فيه العراق أزمة اقتصادية خانقة والحكومة تتحدث عن تقليص النفقات وترشيد الإنفاق وتفرض المزيد من الرسوم والضرائب وترفع كلفة بعض السلع والخدمات لتوفير الموارد ومواجهة العجز تأتي مفاجأة جديدة لا يمكن للمواطن أن يفهمها إلا باعتبارها استفزازا لمشاعره باستحداث أو توزيع مناصب نواب لرئيس مجلس الوزراء في هذا الظرف الصعب.

أي منطق هذا الذي يجعل الدولة تضيق على المواطن في معيشته بينما تتسع أمام السياسيين أبواب المناصب والامتيازات؟

المواطن العراقي لم يعد بحاجة إلى مزيد من المناصب العليا بل بحاجة إلى حكومة تعمل بكفاءة ومؤسسات تنجز وخدمات تتحسن وأموال عامة تصرف في مكانها الصحيح. أما أن تتحول المناصب إلى أدوات لتسوية الخلافات بين الكتل السياسية ووسائل لإرضاء هذا الطرف أو ذاك فذلك يعني أن المحاصصة لم تعد تكتفي بتقسيم السلطة بل بدأت تلتهم موارد الدولة أيضا.

إن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ليس وجاهة سياسية ولا مقعدا لتوزيع المكاسب بين المتخاصمين. فإذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى نائب لرئيس الوزراء فيجب أن تكون هذه الحاجة واضحة ومبررة ومبنية على هيكل إداري رصين لا على صفقة سياسية أو تفاهم بين الكتل.

أما إذا كان الهدف من هذه المناصب هو تحقيق التوازنات السياسية وإرضاء القوى المتنافسة فإن الأمر يصبح أكثر خطورة لأن المال العام هو الذي سيدفع ثمن هذه التسويات بينما المواطن هو الذي سيطلب منه تحمل فاتورة الأزمة.

لقد آن الأوان أن تسأل الحكومة والكتل السياسية نفسها سؤالا بسيطا هل يحتاج العراق إلى المزيد من المناصب أم إلى المزيد من العمل؟

العراق لا يعاني من نقص في عدد المسؤولين وإنما يعاني من ضعف الإدارة وتداخل الصلاحيات وتضخم الجهاز الحكومي وغياب المحاسبة الحقيقية واستمرار توزيع المواقع وفق موازين سياسية لا وفق الحاجة والكفاءة.

وفي الوقت الذي يطالب فيه المواطنون بتقليص رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث والدرجات العليا ومراجعة الامتيازات التي تحصل عليها الطبقة السياسية فإن إضافة مناصب جديدة تحمل رواتب ومخصصات وحمايات ومكاتب وموظفين وسيارات ونفقات تشغيلية تمثل رسالة شديدة السلبية إلى الشارع.

كيف يمكن أن تطلب الدولة من المواطن تحمل الضرائب والرسوم وارتفاع الأسعار وتقليص الإنفاق ثم يجد المواطن في الوقت نفسه أن أبواب المناصب العليا ما زالت مفتوحة أمام التسويات السياسية؟

التقشف لا يبدأ من المواطن بل من السلطة، وإذا كانت الأزمة الاقتصادية حقيقية كما تقول الحكومة فإن أول اختبار لصدقها هو قدرتها على مراجعة الإنفاق السياسي والإداري وإلغاء كل منصب لا تستند إليه حاجة وطنية حقيقية وإغلاق أبواب الهدر والامتيازات غير المبررة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الدولة هو أن يصبح المنصب العام وسيلة لتعويض الخلافات السياسية فحين تختلف الكتل على تشكيل الحكومة لا ينبغي أن يكون الحل بإضافة المناصب وتوسيع دائرة الامتيازات ان الدولة ليست شركة لتوزيع الأسهم بين الشركاء والخزينة العامة ليست صندوقا مفتوحا للترضيات.

العراقيون يريدون دولة تحترم أموالهم وتحاسب الفاسد وتخفض الإنفاق غير الضروري وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب لا دولة تتوسع في المناصب بينما تطلب من شعبها الصبر وتحمل الأعباء.

لقد انتهى زمن قدرة المواطن على الصمت أمام كل هذه التناقضات فمن غير المقبول أن يطلب منه دفع المزيد من الضرائب والرسوم وتحمل ارتفاع الأسعار وتراجع قدرته الشرائية بينما تستمر الامتيازات السياسية وكأن البلاد تعيش وفرة مالية.

إذا كانت الحكومة تريد من الشعب أن يتحمل الأزمة فعليها أن تثبت أولا أن المسؤولين مستعدون لتحملها لان العراق اليوم بحاجة إلى تقليص المناصب لا زيادتها وإلى تقليل النفقات لا فتح أبواب جديدة لها وإلى دولة قوية لا دولة تدار بمنطق الترضيات.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحا أمام الرأي العام والبرلمان والقوى السياسية (هو من أجل العراق تستحدث هذه المناصب أم من أجل إرضاء القوى السياسية؟).