الاثنين - 05 اكتوبر 2026

أعمدة الشعر العراقي في مئويتهم: ثلاثة شعراء غيّروا وجه القصيدة العربية..بمناسبة الاحتفاء بمئوية السياب والبياتي وبلند الحيدري (1926–2026)..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 05 اكتوبر 2026

قاسم الغراوي ||
كاتب وصحافي

 

 

 

ليست مئوية الشاعر مجرد مناسبة لاستعادة تاريخ الميلاد والوفاة، ولا احتفالاً بأسماء عبرت في زمنها ثم غابت؛ فبعض الشعراء لا تنتهي حياتهم برحيلهم، لأنهم يتركون وراءهم لغةً جديدة، وأسئلةً جديدة، وطريقة مختلفة في النظر إلى الإنسان والوطن والحياة.
ومن هذه الزاوية تأتي الاحتفالية بمئوية بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري، بوصفها مناسبة لاستعادة مرحلة مفصلية من تاريخ الأدب العراقي والعربي الحديث.

عام 1926 لم يكن مجرد عام ولادة ثلاثة شعراء؛ بل كان في قراءة أثرهم اللاحق بدايةً لجيل سيعيد التفكير في علاقة القصيدة العربية بالشكل والمضمون والواقع والتاريخ.
وقد أصبح هؤلاء الثلاثة جزءاً من المشهد الذي ارتبط بتحولات الشعر العراقي الحديث إلى جانب أسماء أخرى، وفي مقدمتها نازك الملائكة وشاذل طاقة

يحتل بدر شاكر السياب موقعاً مركزياً في تاريخ الشعر العربي الحديث، ليس فقط لأنه كان من رواد شعر التفعيلة وإنما لأنه استطاع أن يجعل التجربة الشخصية والوطنية والإنسانية تتداخل في بنية شعرية جديدة.

في شعره تحولت جيكور إلى أكثر من قرية؛ أصبحت ذاكرةً ورمزاً ومكاناً شعرياً تختزن فيه الطفولة والمرض والفقر والحب والوطن.
وفي «أنشودة المطر» التي صدرت عام 1960 بلغ مشروعه الشعري واحدة من أبرز ذراه حتى عُدّ الديوان من الأعمال التي أحدثت نقلة في الشعر الحر ، كما ارتبط شعره بالرمز والأسطورة والتراث وبالواقع العراقي والعربي.

ولم يكن السياب شاعراً منعزلاً عن الثقافة العالمية فقد ترجم أعمالاً من الشعر العالمي الحديث وهو ما يؤكد أن مشروعه لم يكن مجرد تمرد على القصيدة العمودية، بل محاولة لتوسيع أفق الشعر العربي وإدخاله في حوار مع التجارب الإنسانية الحديثة.
رحل السياب عام 1964 لكنه ترك وراءه قصيدة لم تعد كما كانت قبل ظهوره.

أما عبد الوهاب البياتي فقد حمل القصيدة العراقية إلى فضاءات عربية وعالمية أوسع. ولد في بغداد عام 1926 واشتغل بالتعليم والصحافة وتنقل بين عواصم عربية وأجنبية، وكانت تجربته الشعرية وثيقة الصلة بالتحولات الفكرية والسياسية والثقافية في القرن العشرين.

بدأ البياتي تجربته الشعرية مبكراً وارتبط اسمه بحركة التجديد الشعري، لكنه لم يتوقف عند حدود الشكل؛ فقد فتح قصيدته على الفكر والتراث والأسطورة والرمز وأصبح المكان عنده عابراً للحدود، فبغداد ودمشق وموسكو ومدريد وغيرها تتحول إلى محطات في رحلة شعرية تبحث عن الإنسان والحرية والحلم.

وكان شعره جزءاً من الحوار العربي حول علاقة الأدب بالواقع، وعلاقة الشاعر بالتاريخ والسلطة والمنفى.
ولهذا لم يبقَ البياتي شاعراً عراقياً بالمعنى الجغرافي، بل أصبح واحداً من الأصوات التي ساهمت في انتشار الشعر العراقي الحديث عربياً.

وإذا كان السياب قد منح القصيدة الحديثة كثافتها الرمزية والوجدانية، فإن البياتي منحها في جانب مهم من تجربته، رحابة المكان والأسطورة والحركة الفكرية.

اما بلند الحيدري فهو شاعر يستحق أن تستعيده الذاكرة ، فقد كان أحد الأصوات المبكرة في حركة التجديد لكنه ظل أقل حضوراً في الذاكرة العامة من السياب والبياتي، الأمر الذي يجعل الاحتفاء بمئويته فرصة لإعادة قراءة تجربته بعيداً عن التراتبية التي صنعتها الذاكرة النقدية.

ولد الحيدري في بغداد في 26 أيلول 1926، وينتمي إلى أصول كردية، وتوفي في لندن عام 1996.
وكان من رواد الشعر الحديث وارتبط في بداياته بجماعة «الوقت الضائع»، ثم واصل بناء تجربته الخاصة في دواوين من بينها «خفقة الطين» و«أغاني المدينة الميتة» و«خطوات في الغربة» و «رحلة الحروف الصفر» و «حوار عبر الأبعاد الثلاثة».

وتكشف تجربته عن شاعر كان يبحث عن مساحة مختلفة بين الذات والمدينة وبين الاغتراب والوجود، وبين الشعر والحياة. وقد وصف بعض النقاد تجربته بأنها ذات نفس ملحمي ونبرة مسرحية وصور رمزية وبناء درامي وهي سمات منحت قصيدته خصوصيتها.

ولعل إنصاف بلند الحيدري اليوم لا يعني وضعه في منافسة مع السياب أو البياتي، بل يعني قراءة التجربة الشعرية العراقية باعتبارها مشهداً متعدد الأصوات، أسهمت فيه أسماء عديدة في تشكيل القصيدة الحديثة.

من بغداد إلى العالم ، تكمن أهمية هؤلاء الشعراء في أن أثرهم لم يتوقف عند حدود العراق ، فقد ساهمت تجربتهم في تحويل بغداد إلى واحدة من أهم مراكز التجديد الشعري العربي في القرن العشرين، ومنها خرجت أسئلة القصيدة الحديثة إلى بيروت والقاهرة ودمشق والعواصم العربية، ثم إلى فضاءات أوسع من خلال الترجمة والنشر وحركة المثقفين العرب.

لقد حدث التحول على أكثر من مستوى: تحول في الإيقاع وفي بنية القصيدة وفي اللغة والصورة وفي علاقة الشعر بالأسطورة والتراث وفي قدرة الشاعر على التعبير عن المدينة والمنفى والحرب والفقر والحرية والاغتراب.

وهنا لا ينبغي النظر إلى الحداثة الشعرية بوصفها مجرد خروج من الوزن التقليدي؛ فالتحول الأعمق كان في تغيير وظيفة القصيدة نفسها.
ولم تعد القصيدة وصفاً للجمال أو مدحاً أو رثاءً فحسب، بل أصبحت مساحة للتفكير والسؤال والاحتجاج واستعادة الذاكرة ومواجهة الواقع.

انها مئوية لا تستعيد الماضي فقط والاحتفال بمئوية السياب والبياتي والحيدري ينبغي ألا يتحول إلى مجرد استذكار احتفالي لأسماء كبيرة؛ فالاحتفاء الحقيقي بهم يبدأ من إعادة قراءة نصوصهم ومراجعة أثرهم في الأجيال اللاحقة ودراسة علاقتهم بالفكر والسياسة والتحولات الاجتماعية وترجمة أعمالهم إلى اللغات العالمية وإدخال تجاربهم إلى المناهج والمراكز البحثية والجامعات بصورة تليق بمكانتهم.
فالشاعر الكبير لا يُخلَّد بالصور والاحتفالات، وإنما بقدرة الأجيال على اكتشاف جديد في نصه كلما أعادت قراءته.

وبعد مئة عام على ولادتهم تبدو المفارقة واضحة: هم رحلوا لكن الأسئلة التي حملوها ما زالت حاضرة.
فالسياب ما زال يسأل عن المطر والوطن والإنسان، والبياتي ما زال يطوف في جغرافيا المنفى والحلم والأسطورة، والحيدري ما زال يفتح أسئلة المدينة والاغتراب والوجود.

وهكذا تصبح مئويتهم مناسبة لا للعودة إلى الماضي، بل للتأكيد على أن العراق لم يكن يوماً هامشاً في صناعة الثقافة العربية، بل كان واحداً من مختبراتها الكبرى؛ وأن بغداد التي أنجبت هؤلاء الشعراء، كانت قادرة على أن تجعل من القصيدة العراقية جسراً بين التراث والحداثة، وبين الوطن والعالم.

فمئوية السياب والبياتي وبلند الحيدري ليست مئوية ثلاثة شعراء فحسب، بل مئوية مرحلة عراقية أسهمت في تغيير وجه القصيدة العربية وأثبتت أن الكلمة حين تمتلك الموهبة والوعي والتجربة تستطيع أن تعبر حدود الزمن والجغرافيا وتبقى حاضرة في ذاكرة الإنسان.

لم يكن هؤلاء الشعراء أبناء زمنهم فقط، بل كانوا صُنّاع زمنٍ شعري جديد ولذلك فإن مرور مئة عام على ولادتهم لا يعني أن نضعهم في سجل الماضي، بل أن نعيد اكتشافهم في حاضرنا لأن القصيدة الحقيقية لا يطويها الزمن، وإنما يعيد الزمن اكتشافه.