رِثَاءُ المَجْدِ وَحَالُ الأُمَّةِ..!
العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي ||

أولاً: المقدمة
تأتي قصيدة «رِثَاءُ المَجْدِ وَحَالُ الأُمَّةِ» للأديب الشاعر العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي كصرخةٍ فكرية ووجدانية تجسد ألم المثقف والقاضي والمواطن العربي تجاه التحديات والأزمات الراهنة التي تعصف بالأمة العربية والإسلامية. تنتمي القصيدة إلى شعر الاستنهاض والقضايا الوطنية والقومية، وتعتمد المدرسة الكلاسيكية (الإحياء والبعث) في البناء المعماري والموسيقي للنص؛ حيث يربط الشاعر فيها بين العبء الحضاري والتاريخي للأمة من جهة، والواقع المتشظي من جهة أخرى، داعياً إلى استعادة الذات والإحياء الإيماني والفكري.
ثانياً: متن القصيدة
نَبْكِي العُرُوبَةَ أَمْ نَرْثِي لَهَا الغَلَبَا؟ — وَقَدْ غَدَا صَرْحُهَا بِالوَهْنِ مُنْتَهَبَا!
أَيْنَ الرَّافِدَانِ وَقُدْسُ المَجْدِ مَوْعِدُنَا؟ — وَأَيْنَ صَنْعَاءُ كَانَتْ لِلْعُلَا طَنَبَا؟
كَانَتْ لَنَا الشَّمْسُ فِي الآفَاقِ خَافِقَةً — وَاليَوْمَ كَوْكَبُنَا فِي دَرْبِهِ انْحَجَبَا
مَا بَالُ أَحْفَادِ حِمْيَرٍ قَدْ غَفَتْ هِمَمٌ — وَصَارَ سَيْفُهُمُ مِنْ غِمْدِهِ حَسَبَا؟
كُنَّا نَهُزُّ عُرُوشَ الأَرْضِ فِي ثِقَةٍ — فَصَارَ أَقْصَى مَنَانَا أَنْ نَرَى السَّلَبَا
نَادَيْتُ آزَالَ، بَغْدَاداً، وَبِي شَجَنٌ — فَرَدَّتِ الرِّيحُ صَوْتاً يَسْكُنُ العَتَبَا
تِلْكَ الجِنَانُ الَّتِي فِي سَبَإٍ نَمَتْ — صَارَتْ هَشِيماً وَبَاتَ الزَّرْعُ مُحْتَطَبَا
وَالسَّدُّ يَبْكِي عَلَى الأَمْجَادِ مِحْنَتَهُ — وَنَهْرُ خَارِدَ أَمْسَى دَمْعُهُ صَبَبَا
أَيْنَ العُقُولُ الَّتِي صَاغَتْ حَضَارَتَنَا؟ — وَأَيْنَ جَيْشٌ بِرُوحِ اللهِ قَدْ غَلَبَا؟
أَضْحَى التَّشَرْذُمُ دِيناً فِي مَحَافِلِنَا — وَصَارَ قَوْلُ الخَنَا فِي نَادِنَا أَدَبَا
تَسَلَّلَ الزَّيْفُ لِلأَرْكَانِ وَاخْتَرَقَتْ — سُودُ الأَجَنْدَاتِ هَذَا الشَّرْقَ وَالعَرَبَا
بِاسْمِ التَّحَضُّرِ قَدْ ضَاعَتْ هُوِيَّتُنَا — وَبَاعَ قَوْمٌ لِأَجْلِ المَنْصِبِ النَّسَبَا
كَمْ غَرَّنَا الغَرْبُ فِي أَثْوَابِ نَهْضَتِهِ — حَتَّى نَسِينَا كِتَابَ اللهِ وَالكُتُبَا
يَا أُمَّةً كَانَ هَامُ النَّجْمِ مَوْطِئَهَا — كَيْفَ ارْتَضَيْتِ سَفَالَ الأَرْضِ وَالعَطَبَا؟
مَا عَادَ يُغْنِي نَشِيدٌ أَوْ شِعَارُ فَمٍ — إِذَا الإِبَاءُ مِنَ الأَعْمَاقِ قَدْ ذَهَبَا
فَلْنَبْعَثِ العَزْمَ مِنْ أَصْلابِ حِكْمَتِنَا — وَنَرْفُضِ الذُّلَّ مَهْمَا سَاقَ نَحْوَنَا الرَّهَبَا
عُودُوا لِبَلْقِيسَ وَالفَارُوقِ إِنَّ لَنَا — فِي مَنْهَجِ الحَقِّ مَنْجًى يَكْشِفُ الكُرَبَا
إِنْ لَمْ نُوَحِّدْ لِأَجْلِ الدِّينِ صَفَّتَنَا — فَسَوْفَ نَبْقَى لِكُلِّ الغَاصِبِينَ نَهَبَا
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى الهَادِي وَعِتْرَتِهِ — مَا حَنَّ مُشْتَاقٌ أَوْ فِي شِعْرِهِ انْتَحَبَا
ثالثاً: التحليل والنقد الأدبي
– النقد العروضي والبنائي (صيانة البحر والقافية):
– البحر العروضي: القصيدة منظومة على البحر البسيط (مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ / مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ)؛ وهو من الأوزان الكلاسيكية الأصيلة في الشعر العربي، ويمتاز بجزالته وفخامته وقدرته العالية على استيعاب الحكمة ورثاء الممالك وصيحات الاستنهاض القومي.
– القافية والإطلاق: جاءت القافية باءية مفتوحة مرسلة بالألف (ـَبَا)، مع الامتداد الصوتي الناشئ عن ألف الإطلاق الذي يُضفي نبرة الشكوى والنداء والتأثير الوجداني.
– التحليل الدلالي والبلاغي:
– الرموز والشواهد التاريخية: يمزج الشاعر الدكتور حسن الرصابي بين أصول الحضارة الإسلامية والرموز التاريخية واليمانية (سَبَأ، بَلْقِيس، صَنْعَاء/آزَال، بَغْدَاد، الرَّافِدَان، نَهْر خَارِد، الفَارُوق عُمَر). يُرسّخ هذا المزيج الرابط الحضاري العضوي بين التاريخين اليمني والإسلامي.
– الصورة الشعرية: زخرت القصيدة بصور بيانية حية؛ كصورة “السيف الذي أضحى مأثرة يُتحسّب بها بلا فعل” وصورة “السد ونهر خارد الصَّبَب” و”انحجاب الكوكب”، مما يمنح المأساة تجسيداً تصويرياً وبلاغياً صادقاً.
– البعد الأخلاقي والفلسفي: لم يكتَفِ النص بالتحسّر على الماضي، بل قدّم تشخيصاً دقيقاً للواقع (ضياع الهوية، الجري وراء الزيف الشكلي، مفارقة كتاب الله)، ووضع الحل العلاجي الفكري والإيماني (الوحدة، استعادة العزم، والتمسك بالحق والمنهج القويم).
رابعاً: الخلاصة
تُشَكِّلُ قصيدة «رِثَاءُ المَجْدِ وَحَالُ الأُمَّةِ» إضافةً فكرية وأدبية وثيقة الصلة بحديث النهضة العربية والإسلامية؛ فهي لا تقف عند حدود التفجع العاطفي على أمجاد الماضي، بل تُمارِسُ مسؤوليّتها كوثيقةٍ استنهاضية تشخص الأزمة وتدعو إلى العلاج بالعودة إلى المنظومة القيمية والحضارية العميقة. وقد جاء النص متوشحاً بأصالة المدرسة الكلاسيكية، يجمع بين متانة السَبْك العروضي ورصانة الألفاظ، ليعكس الوعي الوطني والقومي للشاعر العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي، وتصَدُّرِه للمشهد الأدبي والفكري بوصفه صوتاً يزاوج بين حكمة القضاء وجزالة الشعر ورسالة الإصلاح.
القصيدة من ديوان صولات القوافي 23 يناير 2021م




