طغيان العُجْب ومَصرَع القوة.. كيف يُسقِط الغرورُ الدولَ والقيادات؟!
القاضــــــي/ حسين محمد أحمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن ||

{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً}
إن العجب بالنفس، والاغترار بالقوة والكثرة والمنصب، والسلطة من الآفات التي لا يقف أضرارُه عند حدود القلب، ولا تنحصر آثارها في سلوك الفرد فحسب، وإنما تمتد لتفسد العلم والعمل، وتضعف الأسرة والمجتمع، وتعطل مؤسسات الدولة، وتضلل أصحاب القرار، وتعرض الدولة والأحزاب والجيوش لمخاطر كان يمكن تجنبها لو تحلى القائمون عليها بالتواضع، وأحسنوا تقدير أنفسهم وإمكاناتهم، وأصغوا إلى النصيحة، وأخذوا بأسباب النجاح لكان ذلك سببًا في نجاحهم وفلاحهم، فليس أخطر على الإنسان من أن يجهل عيوب نفسه، ويظن أنه منزه عن أي خطأ، مع أنه قد ورد في الحديث النبوي: “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. وليس أشد ضرراً على صاحب السلطة من أن يخلط بين امتلاك القوة وصواب الرأي، وبين كثرة الأتباع واستحقاق النصر، وبين المنصب وعلو المنزلة عند الله، وعند الناس. فإذا استعظم الإنسان ما لديه من قوة ومال واغتر بما يظنه من أسباب القوة أو النجاح أو المكانة، مع سوء تقدير للحقيقة، وأمام ما ينبغي أن يحذره، فيحمله الإعجاب على الاستعلاء على الآخرين ورفض الحق، فذلك ما قد يوقع في الهلكة. فالعجب يحجب الإنسان عن رؤية الحقيقة. وإذا نظر الإنسان إلى زعيم الصهيونية في أمريكا وقد جر بلده وحزبه وقوته إلى قتال الشعب الإيراني المسلم الذي يبعد عن بلده بنحو أكثر من عشرة آلاف كيلو، في معركة لا ناقة للشعب الأمريكي فيهاولا جمل، ولا مصلحة، وإنما إرضاء للصهيونية اليهودية التي تريد أن تتوسع على حساب القوة الأمريكية، فوقع في خطأ جسيم ذهبت فيه الأرواح، وظهر عجزه وخطؤه، فهو لم يحسن استخدام قوته في نصرة حق، وإنما ظهر للعالم بمظهر المخطئ الذي يرفض التراجع عن خطئه، وهكذا يكون العجب عائقاً عن إدراك الصواب. فالمغرور قد يدرك أن الحجة مع غيره، ولكنه يأنف من الرجوع عن رأيه، خشية أن يظهر بمظهر المخطئ، وهذه من أخطر صور العُجْب، إذ يصبح الحفاظ على الصورة أمام الناس أهم من الحفاظ على الحقيقة، وهذا نوع من أنواع الغرور والكبر، الذي عرفه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “الكبر بطر الحق وغمط الناس”. وهذا ما يجعل السياسة الأمريكية على محك الامتحان، إذا استمرت هذه القيادة بهذه الصورة التي تجعلها أضحوكة على مسرح السياسة الدولية عند حصول الانتخابات النصفية. ومن المؤسف أن يمتد داء العجب والغرور إلى أتباع الصهيونية في المنطقة يستخدمون القوة المفرطة في محاصرة اليمن وقتل أبنائه، طمعاً وفرحاً بنجاح مذموم لا يمكن الحصول عليه، وقد أثبت الواقع خلال اثني عشر عاماً عدم تحقيق نصر يذكر، أو عمل يشكر. وهذا الدرس يتجاوز ميدان القتال إلى شتى ميادين الحياة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فكم من مسؤول وزعيم ورئيس أحاطت به مظاهر القوة، حتى أنه لم يعد يسمع صوت الواقع، فانكشفت سوأته وظهرت هزيمته. وليس هناك من هو أكرم وأجل ممن شهد معركة حنين مع الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فحينما دخله شيء من الإعجاب بالقوة والكثرة وظن أنه لن يُغلب فنزل في حقه قرآن يتلى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}، وفي هذه الآية درسٌ بالغ الأهمية، وهو أن القوة والكثرة لا تحل محل حسن التقدير والثبات والانضباط والتوكل على الله، فكيف بمن يركن إلى القوة والكثرة ويغتر بها، وهو لا يريد تحقيق غاية أمر الله بها وأرشد إليها. فالغرور كثيراً ما يضعف بصيرة من يحمله وتحيط به خطيئته، سواء كان فرداً أو جماعة أو حزباً. فكم من حزب كثرت أنصاره فضعفت بصيرته وأحاطت به خطيئته لعدم محاسبته للنفس، ومراجعته للأخطاء. فالمعجب بنفسه دائماً لا يراجع أخطاءه. وهكذا يفقد الإنسان أهم وسيلة لإصلاح نفسه، لأن إصلاح الخطأ يبدأ بالاعتراف بوجوده، ومن ظن أنه لا يخطئ لم يبحث عن موضع الخلل. فإذا ربط الإنسان قيمته بمدح الناس، أو بمنصبه، أو بنفوذه، يفقد مكانته، ويعطي الغير وسيلة بإدانته. وهكذا ينقلب ما ظنه مصدراً للقوة إلى عبء يرهقه ويقيّد حريته في مراجعة نفسه. فمن يقدم تبريرات لنفسه ولا يراجع خطأه ربما صار الخطأ عنده صواباً، والاستكبار كرامة، والاعتراف بالحق انتقاصاً من شأنه فيظلم الناس، وتكون عاقبته الهلاك. ولهذا فإن أخطر آثار العُجْب هو أن ينتهي الأمر بصاحبه إلى أن يجعل نفسه معياراً للحق، بدلاً من أن يجعل الحق معياراً لأقواله وأفعاله. ولهذا جاء التحذير النبوي في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّماً”. وهذا الحديث يقرر أصلاً عظيماً في صيانة الحقوق، وهو أن السلطة أو القوة لا تبيح الظلم، وأن أحداً لا يملك أن يجعل منزلته أو قوته أو قدرته مبرراً للاعتداء على غيره. وفي شأن العُجْب ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه”، وجاء في حديث آخر: “والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به”. إن العجب والغرور ليسا مجرد عيبين أخلاقيين محدودي الأثر، لأنهما قد يكونان مدخلاً إلى سلسلة من الانحرافات التي تبدأ من القلب ثم تظهر في الفكر والسلوك، وتمتد إلى العلاقات والمؤسسات، وتضر بمصالح الأمة بأكملها إذا استحكمت في قياداتها. وإذا كان إبليس قد اتخذ من ظنه التفوق مبرراً لرفض الأمر الإلهي، فإن الدرس المستفاد هو أن الإعجاب بما نملكه لا يبرر لنا رد الحق، والاعتداء على الآخرين، وأن التفاضل الحقيقي لا يُقاس بمجرد أصل الخلق أو كثرة المال أو القوة أو الأتباع. وإذا كانت آية حنين قد كشفت أن الكثرة لا تغني عن حسن التقدير والثبات والأخذ بالأسباب، فإن كل مسؤول سياسي أو عسكري مدعو إلى أن يتذكر أن الإمكانات لا تكفي وحدها لضمان النجاح، وأن القوة التي لا تصاحبها بصيرة عند استخدامها، ومع من تستخدم قد تصبح سبباً في سوء التقدير وحصول الهزيمة. وإذا كان المنصب يمنح صاحبه سلطة على الآخرين فإن ذلك يحمله المسؤولية في إقامة العدل، والابتعاد عن الظلم، ولا يمنحه أبداً حق الاستعلاء على الناس. وإذا كان العلم يمنح صاحبه قدرة على الفهم، فإنه يزيد من واجبه للتواضع للحق، ولا يعصمه من الخطأ. ومن هنا فإن أخطر ما في العُجْب أنه قد يحرم الإنسان من الوسائل التي تنقذه من مضاره، فلا يرى عيبه، ولا يقبل النصيحة، ولا يراجع قراره، ولا يعترف بالخطأ، فإذا اجتمعت هذه الصفات في صاحب سلطة واسعة، أصبحت عواقبها مذمة وملامة وهلاكاً. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّـهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ}. وصدق الله العظيم حيث يقول: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}.
{وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}




