مضيقا هرمز وباب المندب، هل تفرض كلفة الحرب الكبيرة تنازلات على واشنطن وحلفائها؟!
د. إسماعيل النجار ||

بين أوراق الضغط الإيرانية واليمنية والتداعيات الاقتصادية على الولايات المتحدة وأوروبا والعالم، تتحول الممرات البحرية إلى عنصر مؤثر في معادلة الصراع، فيما يبقى السؤال الأهم؛ مَن سيتمكن من تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى مكاسب سياسية، ومَن سيضطر إلى تعديل مواقفه؟
أولاً: في الوقائع العملية الممرات البحرية في قلب الاقتصاد العالمي حيث يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز، فيما يشكّل باب المندب بوابة رئيسية للملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. وتنبع أهمية الممرين من ارتباطهما المباشر بإمدادات الطاقة والتجارة الدولية، وليس بموقعهما الجغرافي وحده. لذلك تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يثير مخاوف من نقص إمدادات النفط والغاز، ويدفع بالأسعار إلى الارتفاع، بينما يؤدي اضطراب باب المندب إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وقد يجبر السفن على سلوك طرق أطول حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح.
أما إذا تعرض الممران للإقفال في الوقت نفسه، فقد تتداخل أزمة الطاقة مع أزمة النقل والتجارة، بما يزيد الضغوط على الصناعات والأسواق وأسعار السلع. وتكون الدول المستوردة للطاقة أكثر عرضة لبعض هذه التداعيات، ولا سيما الاقتصادات التي تعاني أصلاً من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. ومع ذلك، لا تتساوى الأضرار بين جميع الدول، أميركا تعاني من إنخفاض المخزون الإستراتيجي لديها، وإيران تواجه تحديات مرتبطة بالعقوبات والاقتصاد، وتواجه الدول الخليجية مخاطر تتصل بأمن المنشآت وطرق تصدير الطاقة. كما أن استمرار التصعيد قد يفرض أعباء إضافية على اليمن وسكانه، فضلاً عن انعكاساته على التجارة الإقليمية.
ثانياً؛ كيف تتحول الجغرافيا السياسية إلى ورقة تفاوض قوية بد إيران؟ كونها تمتلك موقعًا جغرافياً يمنحها قدرة على التأثير في أمن الخليج والملاحة عبر مضيق هرمز. ويمكن أن يتحول هذا العامل إلى ورقة ضغط في المفاوضات المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي والضمانات الأمنية والعلاقات الإقليمية.
وفي المقابل، يمكن للقوى اليمنية المسلحة أن تؤثر في حسابات الأطراف المعنية من خلال تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. فارتفاع تكاليف النقل والطاقة لا يبقى محصوراً في المنطقة، بل ينتقل إلى الشركات والمستهلكين والحكومات، الأمر الذي قد يزيد المطالب الدولية بإيجاد تسوية. لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين القدرة على رفع كلفة المواجهة والقدرة على فرض شروط إنهائها. فتعطيل الملاحة قد يضغط على الخصم، لكنه قد يستدعي أيضاً ردوداً عسكرية واقتصادية على إيران ويضر بمصالحها التجارية والإقليمية.
من هنا، لا تتحدد النتائج بقدرة إيران أو القوى اليمنية على إرباك خصومهما فحسب، بل بقدرتهما على تحويل ذلك التأثير إلى اتفاقات واضحة ومكاسب قابلة للاستمرار. وينطبق الأمر نفسه على الولايات المتحدة، التي تستطيع استخدام تفوقها العسكري وأدواتها الاقتصادية، لكنها تواجه بدورها حسابات تتعلق بتكاليف المواجهة ومصالح حلفائها واستقرار الأسواق.
ثالثاً؛ الولايات المتحدة وأوروبا تقعان بين الضغوط الاقتصادية والحسابات الاستراتيجية وقد يؤدي ذلك إلى استمرار اضطراب إمدادات الطاقة إلى ارتفاع أسعار الوقود والنقل والإنتاج، ويزيد الضغط على الأسر والشركات الأوروبية. كما يمكن أن يضع الحكومات أمام معادلة صعبة تجمع بين احتواء التضخم، ودعم القدرة الشرائية، وحماية النشاط الاقتصادي.
أما الولايات المتحدة، فقد تواجه تكاليف عسكرية إضافية لحماية الملاحة ومصالحها الإقليمية، فضلًا عن الضغوط السياسية المرتبطة بأسعار الطاقة وتداعيات الحرب. غير أن هذه الضغوط لا تعني بالضرورة أن واشنطن ستتراجع عن أهدافها إذ تتوقف قراراتها على تقديرها للتكاليف والمخاطر والمكاسب الاستراتيجية. وفي المقابل، لا يعني ارتفاع أسعار النفط أن جميع الدول المنتجة رابحة بالضرورة، لأن تعطل التصدير قد يحرمها من بيع الكميات المتاحة، فيما تتضرر الدول المستوردة من زيادة الأسعار. وبذلك، يمكن أن تتحول أزمة الممرات البحرية إلى عبئ عالمي تتفاوت حصص الدول منه وفقاً لمصادر الطاقة وطرق النقل والقدرة على التكيف.
رابعاً؛ مَن سيقدّم التنازلات للآخر؟
في تقديري، لا ينبغي افتراض أن الولايات المتحدة ستُجبر حتماً على التراجع بشكل كبير، أو أن إيران ستتمكن بالضرورة من فرض جميع مطالبها، لمجرد ارتفاع كلفة المواجهة. فالتاريخ السياسي والعسكري يُظهر أن الضغط قد يفتح باب التفاوض، لكنه لا يحدد وحده النتيجة النهائية.
فإذا تمكنت إيران من ربط تخفيف اضطرابات الملاحة بتفاهمات بشأن العقوبات والملف النووي والضمانات الأمنية، فقد تحقق مكاسب تفاوضية مهمة. أما إذا استمرت المواجهة من دون اتفاق، فقد تتزايد الضغوط الاقتصادية عليها، إلى جانب الأعباء التي يتحملها خصومها.
*أما بالنسبة إلى القوة اليمنية، فإن التأثير في الملاحة قد يمنحها ورقة ضغط، لكن تحويل هذه الورقة إلى نتائج سياسية يتطلب تسوية تتناول المطالب المرتبطة بالصراع اليمني والإقليمي، ولا ضمانات كافيه لصنعاء بمجرد استمرار التهديد البحري. لذلك، أرى أن الاحتمال الذي يستحق الاهتمام هو إمكان الوصول إلى تسوية تقوم على التنازلات المتبادلة، لا على انتصار مطلق لطرف واحد. فقد تقدم واشنطن تنازلات محددة في ملف اقتصادي أو تفاوضي، مقابل التزامات تتعلق بالملاحة أو الأمن أو البرنامج النووي. وقد تقبل طهران ترتيبات معينة مقابل تخفيف بعض القيود المفروضة عليها. لكن تفاصيل هذه المقايضات ستتوقف على شروط الأطراف وقدرتها على التحقق من تنفيذ الاتفاق. وهذا تحليل مشروط، وليس تأكيداً بأن مثل هذه التسوية ستحدث أو بأن طرفاً بعينه سيقدم التنازلات الأكبر.
أخيراً عامل القوة لا يكمن في إطالة الحرب، بل في نتائجها إن مضيقي هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين بحريين، بل عنصران مؤثران في توازنات الطاقة والتجارة والأمن الدولي. وقد تمنح الجغرافيا إيران والقوى اليمنية أوراق ضغط مهمة، لكنها لا تعفيهما من كلفة المواجهة، مثلما لا يعفي التفوق العسكري الولايات المتحدة من التكاليف الاقتصادية والسياسية المحتملة. والنتيجة التي يمكن استخلاصها هي أن الطرف القادر على تحمّل الخسائر ليس بالضرورة الطرف القادر على فرض التسوية التي يريدها. فالحسم يتطلب الجمع بين أوراق الضغط، والقدرة على الصمود، والمرونة الدبلوماسية، ووضوح الأهداف. وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال الأهم مَن يستطيع إلحاق الضرر بخصمه، بل مَن يستطيع تحويل أوراق القوة التي يمتلكها إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة، بأقل كلفة ممكنة، ومن دون دفع المنطقة والاقتصاد العالمي إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن ضمان نتائجها.




