الخميس - 01 اكتوبر 2026

بعد رحيل الجنود.. كيف يخرج العراق من الهيمنة الأمريكية؟!

منذ يومين
الخميس - 01 اكتوبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

في الثلاثين من أيلول ٢٠٢٦ يُفترض أن يغادر آخر جندي أمريكي أرض العراق، بعد ثلاثة وعشرين عامًا على غزوٍ قيل إنه جاء بالحرية، فخلّف وراءه دولةً مثقلةً بالقيود، منقسمةً على نفسها، تعاني مشكلاتٍ مستعصية. وسيحتفي كثيرون بهذا اليوم على أنه يوم الاستقلال الثاني.

غير أن سؤالين ينبغي أن يُطرحا بهدوء بعد أن تصمت الأهازيج، هل ترحل أمريكا فعلًا؟ وإن رحلت، فهل كانت هيمنتها على العراق قائمةً على الجنود أصلًا، حتى تزول بزوالهم؟

أما السؤال الأول فليس من باب التشكيك الجزافي. فالمسؤول العراقي الذي أعلن اكتمال الانسحاب لم يقابله حتى الآن تأكيد رسمي صريح من الجانب الأمريكي، والمسؤولون الأمريكيون حين سُئلوا عن عدد من يبقى من قواتهم وعن الوجهة التي ستُنقل إليها، آثروا الصمت بحجة الدواعي الأمنية.

وكانت التقديرات المتداولة قبل نحو عام تتحدث عن إبقاء قرابة ثلاثمئة مستشار وعنصر أمني لدعم العمليات في سوريا، ثم تبدّل الخطاب إلى “انسحاب كامل”، دون أن يشرح أحد كيف سقطت تلك الحاجة فجأة. وقد نبّه باحثون أمريكيون أنفسهم إلى أن ما يُسوَّق بوصفه انسحابًا كاملًا قد لا يتعدى في حقيقته تقليصًا للوجود.

ولواشنطن في هذا المجال تجربة طويلة، فالجندي الذي يغادر قاعدة في أربيل قد لا يبتعد أكثر من ساعة طيران، إلى قواعد أمريكية أخرى في المنطقة، ويبقى قادرًا على الوصول إلى الأجواء العراقية متى شاء.

ثم إن السفارة الأمريكية في بغداد، وهي من أكبر السفارات في العالم، باقية بحمايتها ومتعاقديها الأمنيين، والطائرات المسيّرة لا تحتاج إلى قاعدة على الأرض لتضرب.

فما يجري قد يكون إعادة تموضع تُخرج الجندي الأمريكي من مرمى الصواريخ التي انهالت على قواعده منذ بدء الحرب على إيران، وتُبقي يده ممدودة فوق العراق من خارج حدوده. وهو بهذا المعنى ليس انسحابًا من النفوذ، وإنما انسحاب من الكلفة.

ومع كل ذلك، لو افترضنا أن واشنطن صدقت في وعدها وأفرغت العراق من جنودها، فإن الحقيقة التي يعرفها كل من اطّلع على بنية الدولة العراقية بعد عام ٢٠٠٣ أن القواعد العسكرية لم تكن أداة النفوذ الأقوى. فالأداة الحقيقية حسابٌ مصرفي في نيويورك.
منذ أيار ٢٠٠٣ تُودَع عائدات النفط العراقي في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بموجب أمر تنفيذي وقّعه جورج بوش الابن، وجدّده كل رئيس أمريكي جاء بعده دون استثناء. وقيل يومها إن الغرض حماية أموال العراق من دائني النظام السابق ومن أحكام التعويضات، وهو غرضٌ كان له ما يسوّغه في حينه. لكن المؤقت في السياسة كثيرًا ما يصبح دائمًا، والحماية كثيرًا ما تنقلب وصاية.

ولأن النفط يموّل نحو ٩٠٪ من الموازنة العامة، فإن من يملك مفتاح هذا الحساب يتحكم برواتب الموظفين وقوت الناس واستقرار الدينار. وقد رأينا ذلك عيانًا مرتين، أولاهما في عام ٢٠٢٠ حين صوّت البرلمان على إخراج القوات الأجنبية، فلوّحت واشنطن بتجميد وصول بغداد إلى أموالها، فتراجعت بغداد.

والثانية في نيسان من هذا العام، حين أوقفت وزارة الخزانة الأمريكية شحنةً نقدية تقارب ٥٠٠ مليون دولار من أموال العراق نفسه، ضغطًا عليه في ملف الفصائل خلال الحرب على إيران.

فإذا كان المال الذي يطعم العراقيين يمرّ عبر بوابة تملك واشنطن مفتاحها، فإن رحيل الجنود – إن رحلوا – لا يعني رحيل الهيمنة، بل يعني انتقالها من الميدان إلى المصرف. ومن هنا لا يعود السؤال الجدير بالطرح متى يرحل الأمريكيون، بل كيف يستعيد العراق مفتاح خزينته، وكيف يبني علاقات خارجية لا تجعله رهينة لعاصمة واحدة.

ويسارع بعضهم إلى جوابٍ جاهز، هو التوجه شرقًا نحو الصين وروسيا، وكأن الخلاص في تبديل الحليف. وهذا وهمٌ ينبغي تبديده من وجهين. فهو أولًا غير ممكن، لأن العراق الذي تمرّ أمواله عبر نيويورك ويُسعَّر نفطه بالدولار لا يستطيع أن يقفز من الحضن الأمريكي إلى الحضن الصيني بقرار.

فواشنطن التي أوقفت شحنة من أمواله لمجرد الضغط في ملف الفصائل لن تقف متفرجة وهي ترى بلدًا يضخ ملايين البراميل يوميًا ينتقل إلى معسكر خصمها الأول، ولديها من أدوات العقاب المالي ما يكفي لشلّ الدولة في أسابيع. وبكين نفسها، على حرصها على النفط العراقي، ليست مستعدة لخوض مواجهة مع واشنطن من أجل بغداد، فهي تشتري وتستثمر حيث يكون الطريق آمنًا، ولا تدفع ثمن معارك غيرها.

ومحاولة كهذه لن تنتهي بتحرر العراق، بل بتحويله إلى ساحة صراع بين قوتين عُظميَين، يدفع العراقيون وحدهم كلفته من رواتبهم وأمنهم. وهو ثانيًا غير مرغوب، لأن العراق الذي يستبدل نيويورك ببكين أو بموسكو لا يكون قد تحرر، وإنما يكون قد غيّر عنوان الوصي.

فالتوازن الحقيقي إذن أن تتعدد مصالح الكبار في العراق، من واشنطن إلى بكين وموسكو وبرلين، حتى لا يستطيع أحدهم أن يملي عليه وحده، وأن يصبح استقراره مصلحةً مشتركة لهم جميعًا.

والواقع الاقتصادي يمنح العراق أوراقًا لم يُحسن استعمالها بعد. ففي عام ٢٠٢٤ دفعت الصين قرابة ٤٠٪ من قيمة صادرات العراق النفطية، ودفعت الهند نحو ٣٠٪، فيما جاءت الشركات الأمريكية بعدهما بفارق بعيد. أي أن الزبائن الحقيقيين للنفط العراقي في الشرق، بينما الخزينة التي تستقبل أثمانه في الغرب. وهذه مفارقة لا يسوّغها منطق التجارة، وإنما يسوّغها منطق ما بعد الاحتلال.

والخروج من هذه القبضة ممكن، لكنه لا يكون بقرار انفعالي يُتخذ في جلسة برلمانية صاخبة، فالقفز من المركب قبل بلوغ الشاطئ غرق. إنما يكون بمسار مدروس يمكن إجماله في خمس خطوات.
أولًا، إغلاق الذريعة القانونية. فالحجة التي أُبقيت بها الأموال في نيويورك هي حمايتها من الدائنين وأصحاب الأحكام. وعلى العراق

أن يحصي ما تبقى من المطالبات والديون السيادية، ويسوّيها أو يحصّن أمواله منها بتشريعات واتفاقيات دولية، فإذا زال السبب بطلت الحجة.

ثانيًا، تنويع الاحتياطي. فقد بدأ البنك المركزي فعلًا بالتحول نحو الذهب، وينبغي أن يستمر هذا المسار ويتسع، ليشمل سلةً من العملات كاليورو واليوان إلى جانب الدولار، فلا يبقى الاحتياطي كله رهينة قرار في وزارة خزانة واحدة.

ثالثًا، تنويع عملة البيع. فما الذي يمنع أن يُباع جزءٌ من النفط المصدَّر إلى الصين باليوان، وإلى الهند بالروبية، وإلى أوروبا باليورو؟ لقد فعلت ذلك دولٌ أكبر نفوذًا وأخرى أصغر، ولم تنهَر. على أن يكون ذلك بنسب مدروسة تتصاعد ببطء، لا بانقلاب مفاجئ يستفز واشنطن قبل أن يمتلك العراق أدوات الصمود.

رابعًا، شراكات متعددة الأقطاب في البناء. ألمانيا بخبرتها في الكهرباء والصناعة، والصين بقدرتها على تنفيذ البنى التحتية بسرعة وكلفة منخفضة، وروسيا في قطاع الطاقة، وتركيا والهند وكوريا الجنوبية في التجارة. وكل عقد يُمنح لطرف جديد هو خيطٌ إضافي يشدّ العراق إلى مصالح متعددة، فيصعب على أي طرف منفرد أن يخنقه.

خامسًا، تنويع الاقتصاد نفسه. وهذا هو الشرط الأعمق، فدولة يأتي تسعة أعشار دخلها من سلعة واحدة ستبقى رهينة لمن يتحكم في ثمن تلك السلعة أو في طريقها إلى الخزينة. والزراعة والصناعة والسياحة الدينية التي تجتذب ملايين الزائرين إلى كربلاء والنجف كل عام، ثرواتٌ معطلة لو أُحسن استثمارها لخففت من سطوة النفط، وسطوة من يمسك بعائداته.

لكن كل ما سبق يبقى حبرًا على ورق ما لم يتوفر شرطٌ أول غاية في الأهمية، وهو أن يكون للعراق قرارٌ وطني واحد. فالدولة التي يتوزع قرارها بين محاور متصارعة، وتدين كتل فيها بالولاء لعواصم أجنبية، لن تستطيع أن تفاوض أحدًا من موقع قوة. وقد أثبتت التجربة أن واشنطن لم تكن تحتاج إلى جنودها بقدر ما كانت تحتاج إلى انقسامات العراقيين أنفسهم.

إن الخروج من الهيمنة الأمريكية لا يعني معاداة أمريكا، بل المطلوب علاقة ندّية مع واشنطن كما مع بكين وموسكو وبرلين، يكون ميزانها الوحيد مصلحة العراقي الذي انتظر طويلًا أن يرى ثروة بلاده تعود إليه دون أن تمرّ بإذن أحد.

قد يرحل الجنود، وقد يكتفون بالابتعاد خطوةً عن الحدود. أما الاستقلال الحقيقي فما زال ينتظر من يكتب شروطه بيدٍ عراقية حرّة مخلصة.