اتجاهان للتعامل مع الصعود التأريخي للشيعة..!
عمار الولائي ||

يتغير العالم بسرعةٍ كبيرةٍ جدا تفوق التصور والحسابات، وينطلق قطار الزمن مُسقِطاً وراءه المعادلات التي بقيت حاكمة لأكثر من الف عام، وقد اتخذ هذا التغيير مساراً تصاعديا ثابتا ومتَّزناً منذ العام ١٩٧٩ مع فجر انطلاق الثورة الإسلامية في ايران، وتضاعف حجم هذا التغيير مع إسقاط نظام الحكم العراقي البعثي الذي يمثل الصورة النمطية لأنظمة الحكم تاريخيا، وسيطرة القوى الشيعية على مصادر القرار وتربُّع المرجعية الدينية العليا والعلماء والحوزة والمراجع على قمة الهرم في توجيه الأمة وتحديد حركتها.
المتغيرات التي حدثت خلال الاربعين عاما الماضية ونيِّف، وصلت ذروتها مع تأسيس فصائل المقاومة الإسلامية والتي كان لها الدور الكبير في مواجهة الاستكبار العالمي في الجبهة الشامية، و فتوى الجهاد الكفائي وولادة الحشد الشعبي، وهو حدث يمثل انقلاباً في كل معادلات الألف عام التي أعقبت شهادة النبي الأكرم (صلى الله عليه واله)وسواء كنا من المتحمّسين ام المترددين فانه لا يمكن إنكار أن هذا التحول الشيعي هو تحول غير مسبوق في تاريخهم ؛ فالنزوع الى الإمساك بمقدرات الأمة والحكم وفق منهج اهل البيت (عليهم السلام) من خلال نائب الإمام المعصوم وتحقيق المَنَعة والقوة و الاقتدار والدفاع عن المقدسات خارج الاراضي التاريخية للتشيع، كلها كانت تحولات جوهرية كبرى ؛ فعلى مدار التاريخ وفيما عدا محاولات قليلة كان الشيعة يتّخذون موقف الدفاع السلمي عن عقائدهم ويمثلون دور الضحية المستسلم على دكة الجزّارين، ولكم أن تراجعوا تاريخنا الشيعي لتعلموا اي مجازر إبادة تعرض لها الشيعة من دون ان يفكروا بتحقيق الاقتدار والمنعة ؛ فلقد كانوا دائما الطائفة المكفَّرة والمضطهدة والتي تُستباح أموالها ودمائها وتُنتهك حرماتها ويتم هدم قبور أئمّتها من دون أن يكون لهم القوة والقدرة على تغيير ذلك ؛ مع التسليم بوجود قوى شيعية تحركت خلال التاريخ لتغيير هذه المعادلة وتأمين حقوق الشيعة الا انها في الغالب لم تستمر ولم يكن لها اي هدف ستراتيجي بعيد المدى.
ولذلك يجب القول اننا أمام انبعاث شيعي اثنا عشري هو الأكبر والأهم في التاريخ؛ لانه يحدث على يد القيادة الشرعية للأُمّة، وها هم الشيعة اليوم قاموا بمواجهة أعتى امبراطورية ظالمة وطاغوتية عبر التاريخ رغم الفارق الكبير والهائل في الإمكانات العسكرية واللوجستية والمالية والتقنية والبشرية، وأفشلوا مخططاتها ومشاريعها لإبادة ومحو الشيعة في المنطقة.
إنّ هذا التحول ينطلق مدعوما بآمال التغيير العالمي وتحقق علامات ظهور الإمام الثاني عشر (عليه السلام) مما يعطي دفعة معنوية هائلة للمضي قُدُماً في التعبئة والاستعداد والتأهيل الكامل للأمة وهي للإنصاف علامات وإرهاصات أصبحت واضحة للعيان وغير قابلة للإنكار.
ووظيفة هذا المقال هي رصد مواقف رموز وقيادات الأمة من هذا التحول التاريخي من دون الوقوف الى جانب اي موقف ؛ حيث يلحظ ان لدينا موقفين من هذا التحول
الأول : هو الموقف الحذر والمتريّث والمترقّب الذي لا يفضّل التعجُّل والانخراط الكامل في هذا التحول
والثاني : هو موقف الانخراط الكامل في هذا التحوّل وتسخير كل الإمكانات له والإيمان التام بانه ضرورة لا مناص عنها.
موقف الاتجاه الاول يرى ان يحتفظ الشيعة بحراكهم التقليدي في الدعوة لأهل البيت (عليهم السلام) وعدم استعداء الذئاب المتربصة بهم؛ لأنّ الاقتدار الكامل الذي يؤهلهم للمواجهة لم تتحقق كل شروطه بعد وهذا الموقف ناضج ودقيق جدا لانه يستفيد من مرارة التجارب التاريخية التي ادت الى خسائر جسيمة وسفك دماء شيعية عزيزة نتيجة الخروج غير المدروس والمتعجّل، ويمثل هذا الموقف الحرص الكبير على دماء الشيعة والخوف على مستقبل التقدم الشيعي لذلك لا يفضل أنصار هذا الاتجاه المواجهة المباشرة، بل الموازنة وعدم إظهار كل القدرات والإمكانات لانهم اصحاب المسؤولية الشرعية عن التشيع في زمان الغيبة، ويريدون أن يعبروا مرحلة الغيبة الكبرى بأقل الخسائر، وما أعظم هذا الموقف الأبوي الناضج والحكيم وهؤلاء الاجلّاء لا يريدون أن يخطأوا الهدف، لانهم لم يصلوا بعد الى مرحلة اليقين بأننا نقترب من مرحلة الارهاصات الاخيرة التي تسبق الظهور الشريف ويضعون هامشا للمناورة والتراجع إن كانت التقديرات المتعلقة بالعلامات غير صحيحة ؛ وفي تراثنا الروائي ما يستند عليه هذا التيار في موقفه من روايات تحث الشيعة على الركون وعدم التحرك والحفاظ على دمائهم حتى يخرج السفياني.
واما الاتجاه الثاني فيرى أننا بتنا في مرحلة تحقق العلامات فعلا، واننا نشهد الارهاصات الاخيرة، وأن ليس امام القطار الشيعي الا المضي قدما في التقدم وتحقيق الاقتدار والمنعة والاستعداد والتعبئة وأنه حتى لو لم نكن في زمان الظهور الشريف فإنّ ثارات القوم معنا اصبحت كثيرة و كبيرة، وأنّ اي تراجع الى الوراء سيجعل القوم يتحركون باتجاه إبادة تاريخية للشيعة في مجمل بلدانهم، ولذلك يرون بأن تحقيق الاقتدار والمنعة والتعبئة والاستعداد لم تعد مسألة تتعلق بإرهاصات الظهور الشريف فقط، وانما مسألة حياة أو موت للطائفة المنصورة، ولذلك هم يتقدمون باستمرار ويواصلون الاستعداد ليلا ونهارا مدفوعين بتعاظم الآمال التي تثبت يوما بعد يوم أننا اصبحنا قاب قوسين او أدنى من الارهاصات الاخيرة للظهور ؛ ويستند
انصار هذا الاتجاه الفكري على طائفة مهمة من الروايات التي تحث الشيعة على التحرك والقيام والتمهيد والتعبئة حتى لو لم نكن في زمان الظهور الشريف ؛ بل ربما يقال أن كل منهجية اهل البيت (عليهم السلام) تدفع باتجاه التمهيد والتعبئة ؛ وان روايات الركون وعدم التحرك لها ظروفها الخاصة التي لا تتناسب مع كل الازمنة ؛ وهم ينظرون الى عمليات تحقيق الاقتدار والمنعة والتعبئة على انها عمليات تتقدم زمانيا على مرحلة تحقق العلامات وانها شرط من شروط تعجيل الفرج وليس العكس.
وما بين هذا وذاك ينقسم الجمهور الشيعي كلٌّ بحسب رؤيته وقناعته باتجاه احد التيارين حاسماً أمره موطِّناً نفسه على السير في هذا الطريق أو ذاك ؛ وفي تقديري أنّ لا مشكلة حقيقية في رؤية أي من القمم التي تمثل كل تيار من هذين التيارين، بل يمكن القول اننا بحاجة فعلا الى هذين الدورين معا في معركة معقّدة ومتعددة في الاتجاهات والميادين ولا يمكن بأي حال من الاحوال زج كل الخزّان البشري للتشيّع في معركة واحدة وباتجاه واحد ؛ ومن المفيد أن تفهم النخب وذوي الرأي وكذلك عامة الجمهور الشيعي آليات التعامل مع هذه الاتجاهات وعدم التفريط بأي فريق منها، فهذا في النهاية سجال شيعي داخلي قديم هدفه تحقيق النصر النهائي لدعوة اهل البيت (عليهم السلام) وإن اختلفت في طرق التحرك لتحقيق هذا النصر، وان لا يتم فسح المجال للعدو لكي ينفذ الى واقعنا الشيعي فيوقع بين الاخوة ويفرق بين ابناء العائلة الواحدة نتيجة التطرف في المواقف.
ويبدو من خلال متابعة روايات الظهور الشريف ان اليماني والخراساني سيكونان على رأس قيادة التيار الذي يؤمن بضرورة الاستعداد والمضي قدما في عملية تحقيق الاقتدار والمنعة والتعبئة، ولذلك فإن هزيمة السفياني وتحقق الفرج سيكون منوطاً بهاتين الرايتين الكريمتين ؛ وربما تكون الخسائر المؤلمة على يد السفياني والنكبات الكبرى في الكوفة نتيجة التردد وعدم الاستعداد المبكر لأنصار التيار الاول.
إن تقدم رايتي اليماني والخراساني باتجاه نصرة المؤمنين في النجف الاشرف دلالة على ضعف الاستعدادات بين جمهور التيار المتحفّظ بالشكل الذي يجعلهم يخفقون في إيقاف زحف السفياني اللعين.
ومن هنا ايضا نرى ان الفهم الموضوعي لحركتي اليماني والخراساني يدور في فلك الواقع الاجتماعي للاوطان التاريخية للتشيع (العراق وايران) ولا نرى مدخلية لاي بلد اخر في السجال الشيعي الذي يسبق الظهور الشريف من ناحية المواقف والاتجاهات الفكرية.




