الأربعاء - 16 سبتمبر 2026
منذ 49 دقيقة
الأربعاء - 16 سبتمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

في صباح الأربعاء الموافق ١٦ أيلول ٢٠٢٦، أعلن التحالف العسكري بقيادة السعودية أن طائرة مسيّرة معادية حاولت استهداف مكة المكرمة، ونسب المحاولة إلى جماعة الحوثي في اليمن. وسارعت الجماعة، على لسان أكثر من مسؤول فيها، إلى نفي التهمة جملة وتفصيلاً، ووصفت الرواية السعودية بأنها “كذبة ممجوجة استُهلكت سابقاً”.
وفي غضون ساعات، تحوّل الخبر إلى موجة إدانات عربية وإسلامية، وأضافت منظمة التعاون الإسلامي صوتها إلى قافلة الاستنكار. وبصرف النظر عمّن يصدَّق في هذه الرواية أو تلك، فإن المشهد بحدّ ذاته يستدعي ذاكرة مثقلة بتجارب مشابهة، وقعت قبل أكثر من أربعة عقود على أرض عراقية-إيرانية.
في بدايات الحرب بين الدولتين، حين هبّ الشعب الإيراني إلى الجبهات يقاتل بضراوة دفاعاً عن أرضه وهيبة دولته التي حاول صدام حسين انتهاكها بحربٍ عبثية ورّط فيها الشعبين معاً، لم يكن أمام الدعاية الصدامية ما تفسّر به هذا الاندفاع الشعبي غير الخرافة.
فرَوَّجت أن الإمام الخميني كان يوزّع على المقاتلين المتطوعين مفاتيح بيوتهم في الجنة، ليأتوا مستميتين في القتال طمعاً بالخلود. اتضح لاحقاً أن “مفاتيح الجنة” هذه لم تكن سوى كتب “مفاتيح الجنان”، وهي مجموعة أدعية مأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، كانت موجودة في كل موقع عسكري ومسجد وبيت إيراني، يتقرّب بها المؤمنون إلى ربهم.
لكن الدعاية الصدامية كانت تبحث عن سلاحٍ رمزي تُشوِّه به صورة الخصم وتُصوِّر مقاومته على أنها أفعال خرافية لا بطولة وطنية. والحرب، مهما تعددت وسائل الخداع فيها، تبقى مقبولة الكذب على مستوى العمليات والتكتيك. لكن إدخال المقدسات والأديان في الدعاية المضادة أمر مختلف تماماً وخطير.
نتذكر أيضا أنّ صدام أشاع في إعلامه أن الإيرانيين يريدون نقل العتبات المقدسة في كربلاء والنجف إلى مدينة قم في محاولة للتأثير على موقف الشيعة من الحرب. وللأمانة فإن الكثير من الشيعة وقتها استهجنوا هذه الدعاية.
اليوم، وبعد أربعة عقود، يبدو أن القيادة السعودية تعيد إنتاج المنطق ذاته، وإن اختلفت الأدوات. فاتهام الحوثيين باستهداف الكعبة المشرّفة ليس حدثاً عسكرياً عابراً، بل استدعاء متعمَّد للورقة الأكثر حساسية في الوجدان الإسلامي: قداسة البيت الحرام.
لا خلاف على أن الكعبة مقدسة عند جميع المسلمين. غير أن استدعاء القداسة كسلاح دعائي يفترض، بداهة، أن مَن يستدعيها حريصٌ عليها حقاً، لا يوظّفها متى شاء ويهملها متى شاء.
فالسنوات الأخيرة شهدت في الديار المقدسة نفسها ممارسات لا تنسجم مع خطاب “حماية الحرمين”: من فتح حانات في مرافق سياحية قريبة، إلى إقامة حفلات غناء ورقص على مقربة من الأماكن المقدسة. ومن يريد أن يخاطب المسلمين بلغة القداسة، عليه أن يبدأ بحفظها هو أولاً.
ثم إن القداسة، إن كانت معياراً، لا تقتصر على الديار السعودية. ففي فلسطين بيت المقدس وقبة الصخرة، ولم تهتزّ لهما نخوة مَن يرفعون شعارات الدفاع عن المقدسات كلما احتاجوا تعبئة الرأي العام.
بل إن الحوثي، على خلاف من يتهمونه، هو مَن جعل من نصرة القدس عنواناً معلناً لخطابه السياسي والعسكري. فكيف يُعقل أن يستهدف مَن دافع عن رمزٍ مقدس كالقدس رمزاً آخر لا يقلّ عنه قداسة، وهو مكة؟
يبدو أن القيادة السعودية، المحاصرة في زاوية سياسية وعسكرية حرجة جراء حرب اليمن المتجددة، تلجأ – كما لجأ صدام حسين وهو محاصر في حرب الأعوام الثمانية – إلى ورقة الدين والقداسة حين عجزت الأوراق الأخرى عن تحقيق ما تريد.
وليس مستبعداً في هذا السياق أن يقوم طرف مستفيد، أو متربص بالأزمة، باستهداف مكة فعلاً في الأيام المقبلة، ليُلصق التهمة لاحقاً بالحوثيين، سعياً لكسب تعاطف إسلامي عابر للحدود يصعب تحقيقه بالوسائل السياسية والعسكرية، أو ليخلق فتنة بين المسلمين. هذا احتمال يفرضه منطق التاريخ ونمط الدعايات المشابهة، وهو احتمال لا يجوز إسقاطه من الحسبان في قراءة المشهد.
غير أن هذا الاستهداف إن حصل لن يُكتب له النجاح. فالمسلمون اليوم اختبروا معظم الألاعيب التي مرّت عليهم في العقود الأخيرة، وباتوا أكثر حصانة تجاهها.
والأهم من ذلك أن خذلان القيادات الإسلامية المتكرر للدين وللمسلمين وللمقدسات، حين كانت مصلحتهم السياسية تقتضي ذلك، أفقد هذه القيادات مصداقيتها في نظر شعوبها. فتراجع اهتمام المسلمين بقضايا القداسة ليس زهداً منهم بدينهم، بل نتيجة تجربة مريرة مع قياداتٍ ترفع لواء القداسة كلما أرادت، وتُنزله كلما أرادت.