تجار الكلام: صانعو الخراب الحلقة الثانية: كيف يصنع التعليم الغربة؟
رياض الفرطوسي ||

شهدت ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ظهور نمط جديد من المتعلمين في العراق؛ طلاب يعودون من كليات الإدارة أو البعثات العسكرية والأكاديمية، فيتحاورون بعبارات أجنبية ومفاهيم معقدة وسط أحيائهم الشعبية. لم يكن ذلك مجرد تظاهر بالمعرفة، بل كان مؤشراً على تشكل طبقة جرى تدريبها لتشعر بالتفوق على بيئتها الأم.
المدرسة والثكنة: صناعة الطبقة الجديدة
أنتجت التحولات الحديثة مؤسستين رئيسيتين لقيادة المجتمع العراقي: التعليم الأكاديمي والمؤسسة العسكرية.
المؤسسة التعليمية صممت لتصنع الموظف والتكنوقراط، بينما صممت الكلية العسكرية لتصنع ضابطاً يرى نفسه “حامي النظام”. وكلا المؤسستين اعتمدتا نظماً تنموية أبعدت الفرد عن مجتمعه الأصلي، وزرعت فيه قناعة بأن أساليب حياة أهله تعبر عن “التخلف” الذي يجب التبرؤ منه.
صراع الأزمنة والانفصال النفسي
يعيش الطالب القادم من الأرياف أو الأحياء البسيطة صراعاً بين زمانين:
زمن المدينة والجامعة: القائم على الانضباط الصارم، والمفاهيم الحديثة، والنظريات الجاهزة.
زمن البيئة الشعبية: المتمهل، القائم على العلاقات التضامنية والأعراف الموروثة.
حين يسافر الخريج إلى الخارج أو يترقى في السلم الوظيفي، تتسع الفجوة. يبتعد عن السكن في حارته القديمة، وينتقل إلى أحياء المعزولة، محيطاً نفسه بنمط حياة يجعله ينظر إلى أوجاع الناس بعيون الباحث الأجنبي.
نضال الامتيازات وزواج السلاح بالشعار
إن التحركات السياسية لفئات واسعة من هذه الطبقة لم تكن تستهدف تطوير البنية التحتية للمجتمع، بقدر ما كانت صراعاً للحلول محل الموظف الأجنبي أو الأرستقراطية القديمة؛ أي وراثة المكاتب والأجور العالية والنفوذ.
وعندما كانت تفشل في التغيير الميداني، كانت تلوذ بالمقاهي الأدبية والصالونات الفكرية أو مقاهي الرصافي والزهاوي، مدعية “الاعتكاف الفكري”، بانتظار فرصة جديدة للعودة إلى السلطة.
وفي المقابل، جاء العسكري القادم من الكلية العسكرية محاطاً بعقيدة القوة. ولأنه يفتقر للتنظير الفكري، حدث الزواج بين السلاح والشعار: العسكري يمسك بزمام القوة الإجرائية، والمثقف الحزبي يوفر له الخطابات والمبررات التي تشرعن وجوده.
في الحلقة القادمة، سنستكمل قصة “نخب الوعود”، ونروي كيف تحولت الخطابات القومية والاشتراكية والنهضوية في العراق والمنطقة إلى أنظمة تختزل الدولة في شخص الحاكم، وكيف انهارت كل الأوهام بمجرد سقوط الرمز.




