السبت - 12 سبتمبر 2026

إلى أين يتجه الحوثيون.. من هرمز إلى باب المندب… هل بدأ «المحور» الانتقال من الدفاع المتعدد الجبهات إلى الهجوم المتزامن؟!

منذ ساعتين
السبت - 12 سبتمبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

لم يعد اليمن، في هذه اللحظة، مجرد حرب أهلية مؤجلة، ولا الحوثيون مجرد جماعة يمنية تنازع حكومة على صنعاء. ثمة شيء أكبر يحدث على الخريطة، شيء يجعل البحر نفسه طرفاً في الحرب، ويحوّل المضائق إلى أسلحة، والجزر الصغيرة إلى مفاتيح استراتيجية، والأنابيب إلى أهداف عسكرية، والحدود بين الجبهات أقل وضوحاً من أي وقت مضى.

ففي الشرق يقف مضيق هرمز تحت ضغط الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وفي الغرب يتقدم الحوثيون إلى باب المندب، حتى بلغوا جزيرة ميون التي تتوسط المضيق، وسيطروا على مواقع ساحلية بينها المخا وذُباب، وفق مصادر يمنية وتقارير دولية حديثة. وفي العراق، تعرض خط النفط السعودي شرق–غرب لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت، بحسب الرياض وبغداد، من الأراضي العراقية، ما دفع السعودية إلى إغلاق الخط مؤقتاً.

وفجأة يصبح السؤال أكبر من اليمن:

هل نحن أمام حرب إقليمية تتوزع جبهاتها، أم أمام استراتيجية واحدة تتوزع أدواتها؟

باب المندب… حين يصبح المضيق سلاحاً

المخا ليست مدينة عابرة في الجغرافيا اليمنية.

منذ القرون الأولى كانت المنطقة شاهدة على حركة التجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ثم جاءت القناة السويسية لتجعل من باب المندب إحدى حلقات الطريق البحري الذي يصل آسيا بأوروبا.

ولهذا فإن السيطرة على الساحل ليست كالسيطرة على جبل في الداخل.

الجبل يمنح صاحبه عمقاً.

أما المضيق فيمنحه قدرة على التأثير في العالم.

والحوثيون يعرفون ذلك جيداً.

فقد سيطروا خلال الهجوم الأخير على المخا، ثم تقدموا باتجاه ذُباب وميون، بينما أفادت تقارير بأنهم أحكموا قبضتهم على أجزاء واسعة من الساحل والجزر القريبة من المضيق. كما تحدثت تقارير عن وصولهم إلى جزيرة ميون، التي تقسم أضيق نقطة في باب المندب إلى ممرين ملاحيين.

وهنا تتغير طبيعة الحرب.

فالذي كان يستطيع بالأمس إطلاق صاروخ على سفينة أصبح اليوم أقرب إلى امتلاك موقع يستطيع منه مراقبة السفن وتهديد الملاحة والتفاوض على شروط مرورها.

وقد نفى الحوثيون أن يكونوا يشكلون خطراً على الملاحة الدولية، مع استثناء السفن السعودية من هذا التعهد، وهو في ذاته إعلان سياسي وعسكري لا ينبغي تجاهله.

إنه ليس إغلاقاً كاملاً للمضيق بالضرورة.

لكنه امتلاك قدرة الإغلاق.

وهذا في الاستراتيجية البحرية قد يكون أكثر قيمة من الإغلاق نفسه.

هرمز وباب المندب… كما لو أن الخريطة أغلقت أبوابها

للمرة الأولى منذ عقود، تبدو المنطقة وكأنها تختبر سيناريو بالغ الخطورة:

مضيق هرمز في الشرق مضطرب.

وباب المندب في الغرب تحت ضغط الحوثيين.

وبين الاثنين تقع المملكة العربية السعودية، التي بنت جزءاً مهماً من قدرتها على تصدير النفط على إمكانية استخدام البحر الأحمر وخطوط الأنابيب كبدائل عن هرمز.

لكن ماذا يحدث إذا أصبحت البدائل نفسها مهددة؟

هذا ما حدث بصورة دراماتيكية خلال الساعات الماضية.

فالسعودية أوقفت مؤقتاً خط الأنابيب شرق–غرب، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر وينقل ملايين البراميل يومياً من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، بعد هجمات بطائرات مسيرة قالت الرياض وبغداد إنها انطلقت من الأراضي العراقية. وفي الوقت نفسه، كان الحوثيون يرسخون وجودهم في باب المندب.

هنا تصبح المسألة اقتصادية بقدر ما هي عسكرية.

إذا تعطل هرمز، يبحث النفط عن طريق بديل.

إذا أصبح البحر الأحمر خطراً، يبحث عن طريق آخر.

لكن إذا أصبحت البدائل نفسها معرضة للهجمات، فإن المشكلة لا تعود في طريق واحد؛ بل في شبكة النقل العالمية كلها.

ولذلك لم يكن غريباً أن يتجاوز سعر النفط حاجز المئة دولار للبرميل مع تصاعد هذه التطورات.

وهكذا يدخل الحوثيون الحرب من باب اليمن، لكن آثارهم تصل إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

إيران… هل تدير اللعبة أم تستثمر نتائجها؟

هنا ينبغي الحذر من التبسيط.

ليس دقيقاً أن نقول إن كل طلقة حوثية تصدر بأمر إيراني مباشر.

الحوثيون حركة لها جذورها اليمنية وحساباتها الخاصة، ولها مشروعها السياسي والعسكري، ولم تصبح مجرد فرع من مؤسسة إيرانية.

لكن ليس دقيقاً أيضاً تجاهل العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين.

فإيران دعمت الحوثيين عسكرياً وسياسياً، والتقارير الأخيرة تتحدث عن تعاون ومشورة إيرانية في العمليات الجارية، في حين تنفي طهران إدارة العمليات بصورة مباشرة. كما ظهرت خلال الأيام الماضية إشارات إلى تنسيق متزايد بين الحوثيين وميليشيات عراقية مدعومة من إيران.

وهنا تظهر الفكرة الأهم:

إيران لا تحتاج إلى أن تسيطر مباشرة على باب المندب كي تستفيد من اضطرابه.

يكفي أن تكون لديها قوة محلية قادرة على تهديده.

وكذلك لا تحتاج إلى احتلال هرمز بالطريقة التقليدية؛ يكفي أن تستطيع جعل المرور فيه مكلفاً وخطراً.

إنها استراتيجية التحكم بالممرات من خلال الوكلاء والحلفاء والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

وهذا أكثر مرونة وأقل كلفة من الاحتلال المباشر.

السعودية أمام معضلة لم تكن تريدها

السعودية اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد.

الرد العسكري الواسع على الحوثيين قد يعيد الحرب اليمنية إلى سنواتها الأكثر دموية.

والامتناع عن الرد قد يسمح للحوثيين بتثبيت أمر واقع جديد على البحر الأحمر.

أما الدخول في تسوية سياسية في ظل سيطرة الحوثيين على باب المندب، فقد يعني منحهم ورقة استراتيجية لم تكن تملكها الحركة قبل أشهر.

والأخطر أن الرياض لا تواجه الحوثيين وحدهم.

فالهجمات القادمة من العراق على منشآتها النفطية تفتح جبهة أخرى.

وقد أفادت تقارير بأن الرياض طلبت مساعدة عسكرية أمريكية لمواجهة الحوثيين، فيما بقي الدعم الأمريكي حتى الآن أكثر حذراً من أن يتحول إلى تدخل واسع مباشر.

وهنا تبدو السعودية أمام سؤال وجودي بالنسبة إلى مشروعها الاقتصادي:

كيف يمكن بناء «رؤية 2030» في منطقة يمكن أن يتوقف فيها النفط والموانئ والطيران والسياحة بضربة مسيّرة؟

الإمارات… الحليف الذي يملك حساباته الخاصة

أما الإمارات، فقصتها مع اليمن مختلفة.

لقد بنت خلال سنوات الحرب نفوذاً واسعاً عبر القوى الجنوبية، وخصوصاً في مناطق الساحل والموانئ وخليج عدن.

ولذلك فإن سيطرة الحوثيين على المخا وباب المندب ليست مجرد خسارة لحكومة صنعاء المعترف بها دولياً؛ إنها تهديد مباشر لبيئة النفوذ التي بنتها أبوظبي على امتداد الساحل الجنوبي والغربي.

لكن الإمارات لا تنظر إلى اليمن من زاوية واحدة.

هناك الجنوب.

هناك عدن.

هناك الموانئ.

هناك حضرموت وشبوة.

وهناك باب المندب.

وهذا يعني أن أي حرب جديدة لن تكون ببساطة «الحكومة اليمنية ضد الحوثيين».

إنها شبكة من القوى المحلية والإقليمية، لكل منها تعريف مختلف لليمن الذي تريده.

ولهذا كانت الحرب اليمنية عصية على النهاية.

الجنوب اليمني… الدولة التي لم تولد والحرب التي لم تنته

منذ انهيار الدولة اليمنية الحديثة، بقي الجنوب سؤالاً مفتوحاً.

هل يكون جزءاً من يمن موحد؟

أم يعود إلى دولة مستقلة؟

أم يصبح مساحة نفوذ متعددة بين قوى محلية وإقليمية؟

والحوثي، عندما يتقدم على الساحل الغربي، لا يهدد صنعاء فقط.

إنه يدفع القوى الجنوبية إلى إعادة حساباتها.

فالجنوب يعرف أن سقوط باب المندب في يد الحوثيين يعني أن ميزان القوى في اليمن كله قد يتغير.

وقد بدأت بالفعل موجة نزوح كبيرة من مناطق ساحلية ومحافظتي تعز والحديدة، مع تقديرات بوصول عدد النازحين الجدد إلى عشرات الآلاف، وسط مخاوف من انهيار الهدوء الذي ساد نسبياً منذ هدنة 2022.

وفي نهاية الأمر يبقى المواطن اليمني هو الخاسر.

فكلما اتسعت الخريطة العسكرية، ضاقت مساحة الحياة.

ومن اليمن إلى العراق… الجبهة الثانية

العراق هو الحلقة التي تجعل المشهد أكثر وضوحاً.

فالميليشيات العراقية المرتبطة بإيران تواجه ضغوطاً متزايدة من الحكومة العراقية لنزع سلاحها، بينما تصر هذه القوى على الاحتفاظ بسلاحها وعلى خروج القوات الأمريكية من العراق.

ثم تأتي الهجمات على البنية النفطية السعودية من الأراضي العراقية.

هل هذا تنسيق مباشر؟

لا توجد، حتى الآن، أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بأن غرفة عمليات واحدة تدير كل هذه التحركات.

لكن توجد وظيفة استراتيجية متشابهة:

رفع كلفة الحرب على السعودية.

تهديد مصادر الطاقة.

إرباك الطرق البديلة عن هرمز.

وإجبار واشنطن على توزيع قواتها واهتمامها بين أكثر من مسرح.

وهنا يصبح «المحور» أقل شبهاً بجيش واحد، وأكثر شبهاً بشبكة من الجبهات القابلة للتفعيل في الوقت نفسه.

غزة… الجبهة التي بدأت منها القصة

غزة تبقى أصل الحكاية السياسية.

فمنذ 7 تشرين الأول، لم تعد الحرب الفلسطينية–الإسرائيلية مجرد مواجهة محلية. تحولت إلى نقطة اشتعال إقليمية أعادت رسم علاقات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما.

ومن غزة انتقلت الحرب إلى لبنان واليمن والعراق وسوريا.

واليوم، حتى مع وجود مسارات تفاوضية حول غزة، لم ينته الصراع الإقليمي.

وهذا مهم.

لأن «الجبهات المساندة» التي نشأت تحت عنوان دعم غزة لم تعد كلها مرتبطة بالقرار الفلسطيني وحده.

لقد أصبحت لها حساباتها الخاصة.

لبنان… وعلي الطاهر: الجبهة التي تتكلم بصمت

وفي جنوب لبنان، تبدو الصورة شديدة القسوة.

إسرائيل أعلنت السيطرة العملياتية على منطقة علي الطاهر، ثم أعلنت تدمير شبكة أنفاق تحتها يزيد طولها على كيلومترين، وقالت إن الشبكة كانت تضم مواقع قيادة وتخزين صواريخ وطائرات مسيّرة وأسلحة مضادة للدروع، وارتبطت بوحدة بدر في حزب الله بحسب الرواية الإسرائيلية.

وفي 10 أيلول، أعلنت إسرائيل استخدام أكثر من 1100 طن من المتفجرات لتدمير البنية التحتية تحت التلة، فيما تحدثت تقارير لبنانية عن آثار الانفجارات والدمار في محيطها.

لكن أهمية علي الطاهر لا تختصر في الأنفاق.

إنها تقع في منطقة مرتفعة استراتيجية بالقرب من النبطية، والسيطرة عليها تعني أن إسرائيل لا تتعامل فقط مع أهداف عسكرية منفردة، بل تحاول إعادة رسم الجغرافيا الأمنية للجنوب.

والأكثر دلالة أن الجيش اللبناني بدأ في المقابل توسيع انتشاره في النبطية، بينما واصلت إسرائيل استهداف محيط المنطقة، وسط تعثر الإطار السياسي الذي كان يفترض أن يقود إلى انسحاب إسرائيلي ونزع سلاح حزب الله.

وهنا يصبح علي الطاهر أكثر من تلة.

إنها اختبار لمعنى الدولة اللبنانية.

واختبار لقدرة حزب الله على الاحتفاظ بالصورة التي عرفها اللبنانيون عنه.

واختبار لقدرة إسرائيل على تحويل التفوق العسكري إلى واقع سياسي دائم.

هل بدأ الهجوم المتزامن؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب.

هل انتقل «المحور» من الدفاع المتعدد الجبهات إلى الهجوم المتزامن؟

المعطيات الحالية تجعل السؤال مشروعاً، لكنها لا تسمح بعد بتحويله إلى حقيقة قاطعة.

هناك الحوثيون في باب المندب.

هناك الميليشيات العراقية.

هناك الضغط على السعودية.

هناك إيران في هرمز.

هناك غزة.

هناك لبنان.

وهناك سوريا التي ما زالت تقع في قلب التنافس الإيراني–الإسرائيلي والتركي–الإقليمي، وتتعرض من حين إلى آخر لضربات إسرائيلية تستهدف مواقع عسكرية مرتبطة بهذا الصراع.

هذه ليست جبهة واحدة.

لكنها قد تصبح منظومة ضغط واحدة.

وهنا الفرق.

في الحرب التقليدية، الجيش يهاجم من جبهة واحدة أو عدة جبهات.

أما في حرب الشبكات، فقد لا تحتاج إلى الهجوم في كل مكان.

يكفي أن تجعل خصمك يشعر بأن الهجوم قد يأتي من أي مكان.

من هرمز.

من باب المندب.

من العراق.

من لبنان.

من غزة.

أو من السماء.

وهذا ما يجعل الحرب الحديثة أكثر خطورة.

الخلاصة… من يملك المضائق يملك جزءاً من القرار العالمي

لم يعد السؤال اليوم: هل يستطيع الحوثيون إسقاط الحكومة اليمنية؟

السؤال الأهم:

هل يستطيع الحوثيون تحويل باب المندب إلى ورقة تفاوض إقليمية؟

إذا استطاعوا تثبيت وجودهم على الساحل والجزر، فإنهم يكونون قد انتقلوا من قوة يمنية تملك صواريخ إلى قوة إقليمية تملك مفتاحاً بحرياً.

وهنا تلتقي الجغرافيا بالسياسة.

هرمز في يد إيران أو تحت تهديدها.

باب المندب تحت ضغط الحوثيين.

العراق يفتح جبهة على الطريق النفطي السعودي.

لبنان يعيش امتحان علي الطاهر.

غزة لم تغلق ملفها.

وسوريا لا تزال ساحة تتقاطع فوقها مشاريع القوى الكبرى.

قد لا يكون هناك «عقل واحد» يدير كل ذلك.

وقد لا تكون كل العمليات متزامنة بأوامر واحدة.

لكن النتيجة العملية أخطر من السؤال عن غرفة العمليات:

خصوم إيران باتوا مضطرين إلى الدفاع عن شبكة مصالح كاملة، بينما تستطيع القوى المرتبطة بها فتح أكثر من باب في الوقت نفسه.

وهنا تحديداً تكمن قوة الحوثيين الجديدة.

لقد خرجوا من الجبل إلى البحر.

ومن اليمن إلى الاقتصاد العالمي.

ومن معركة السلطة إلى معركة الممرات.

ولذلك فإن باب المندب، الذي كان طوال قرون مجرد «بوابة الدموع»، قد يتحول اليوم إلى بوابة القرار.

ومن يملك مفتاحها لا يملك اليمن وحده.

بل يملك القدرة على أن يقول للعالم كله:

إن الحرب لم تعد تجري على الأرض فقط… إنها تجري في الطرق التي يسلكها العالم كي يبقى واقفاً.