الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

جمّول… هل تُعاد أم يُعاد إحياؤها؟!

منذ يومين
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

من بيروت المحتلة إلى الجنوب المحرر… حين تعددت البنادق وكان العدو واحداً

في السادس من حزيران 1982 دخل الجيش الإسرائيلي لبنان. لم يكن دخوله مجرد عملية عسكرية محدودة، بل اجتياحاً واسعاً وصل إلى بيروت، وحاصرت قواته العاصمة، بينما كان لبنان الخارج لتوّه من سنوات طويلة من الحرب الأهلية يعيش واحدة من أكثر لحظاته انقساماً وانهياراً.

لكن إسرائيل ارتكبت، ربما، خطأً في قراءة لبنان: ظنت أنها دخلت بلداً ممزقاً، ولم تدرك أنها دخلت بلداً ممزقاً يمكن أن توحّده فكرة الاحتلال.

بعد أيام قليلة بدأت مقاومات لبنانية متعددة بالظهور إلى الواجهة. كانت حركة أمل تقاتل في خلدة والجنوب، وكانت مجموعات من الجماعة الإسلامية قد بدأت مقاومة الاحتلال في صيدا، قبل أن تتبلور في قوات الفجر. وفي بيروت كان الشيوعيون ومنظمة العمل الشيوعي والقوميون وغيرهم يبحثون عن صيغة لتحويل الرفض الشعبي إلى مقاومة منظمة. وفي البيئة الإسلامية الشيعية كانت مجموعات أخرى تتشكل تدريجياً، ستتحول لاحقاً إلى القوة الرئيسية التي عُرفت باسم المقاومة الإسلامية وحزب الله.

وفي قلب هذا المشهد ولدت في 16 أيلول 1982 جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.

ومن هنا تبدأ حكاية «جمّول».

ولادة الاسم من رحم الاحتلال

في 16 أيلول، وبعد عشرة أيام من الاجتياح، أعلن الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي والأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم بياناً يدعو إلى المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وأُعلن البيان من منزل كمال جنبلاط في بيروت.

لم تكن الفكرة إنشاء حزب جديد، بل إنشاء إطار مقاوم وطني يجمع قوى سياسية مختلفة حول مهمة محددة: مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض.

وسرعان ما أصبح الاسم الطويل أكثر اختصاراً وأكثر حضوراً في الذاكرة:

جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية = جمّول.

وكانت النواة الأساسية تضم الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي، وانضمت أو شاركت في مراحل مختلفة قوى قومية ويسارية أخرى، بينها حزب البعث والحزب التقدمي الاشتراكي وفق عدد من المصادر؛ لكن درجة المشاركة التنظيمية لم تكن واحدة بين جميع هذه القوى، ولذلك من الأدق الحديث عن مظلة مقاومة متعددة التنظيمات لا عن حزب موحد.

وهنا تبدأ خصوصية جمّول.

فهي لم تولد من طائفة، ولم تقدم نفسها كامتداد مذهبي، بل حاولت أن تجعل من مقاومة إسرائيل عنواناً لبنانياً عابراً للطوائف.

الرصاصة الأولى في بيروت

كان المطلوب في بيروت شيئاً مختلفاً عن الحرب التقليدية.

الجيش الإسرائيلي كان أقوى من أن تواجهه مجموعات صغيرة في معركة مفتوحة، ولذلك اختارت المقاومة السرية: عبوة هنا، كمين هناك، إطلاق نار على دورية، هجوم على حاجز، ثم اختفاء.

بدأت عمليات جمّول في أيلول 1982، واستهدفت القوات الإسرائيلية في عدد من أحياء بيروت ومواقع انتشارها.

ثم جاءت عملية الويمبي في شارع الحمراء في 24 أيلول، عندما هاجم خالد علوان، المنتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، جنوداً إسرائيليين داخل المقهى، في واحدة من أكثر العمليات رمزية في تاريخ مقاومة الاحتلال في العاصمة.

لم تكن العملية كبيرة من الناحية العسكرية، لكنها كانت كبيرة من الناحية النفسية.

فالجندي الإسرائيلي الذي اعتاد أن يرى نفسه قوة احتلال لا يمكن الاقتراب منها اكتشف أن المقاومة تستطيع الوصول إليه حتى داخل مقهى في قلب بيروت.

ومن هنا بدأ الاحتلال يدرك أن السيطرة على العاصمة لا تعني السيطرة على شوارعها.

لكن جمّول لم تكن وحدها

وهنا يجب تصحيح صورة تاريخية شائعة.

المقاومة اللبنانية لم تكن «جمّول» وحدها.

في 1982 كانت حركة أمل تقاتل الاحتلال بصورة مستقلة عن الجبهة. وخاضت عناصرها مواجهات مباشرة في خلدة ومحيط بيروت والجنوب، ثم واصلت عملياتها بعد الاحتلال، وكانت لها بنية عسكرية وشبكات ميدانية خاصة بها. وتشير مصادر الحركة إلى معركة خلدة وإلى سلسلة طويلة من العمليات التي خاضتها أفواج المقاومة اللبنانية منذ الاجتياح.

وفي صيدا، كان هناك مسار آخر.

فـالجماعة الإسلامية لم تنتظر اكتمال «جمّول» حتى تبدأ المقاومة. تشكلت مجموعات شبابية لمواجهة الاحتلال في المدينة، ثم تطورت إلى قوات الفجر، التي أصبحت الجناح المقاوم للجماعة الإسلامية. وتذكر مصادر عن الجماعة أن عملياتها الأولى استهدفت دوريات إسرائيلية في صيدا في صيف 1982، وأن قوات الفجر استمرت في العمل ضد الاحتلال خلال السنوات التالية.

وهكذا، منذ الأشهر الأولى للاجتياح، أصبح لبنان أمام أكثر من مقاومة:

جمّول في إطارها الوطني اليساري والقومي،
أمل في إطارها الحركي الشيعي،
قوات الفجر في إطارها الإسلامي السني،
والمقاومة الإسلامية التي كانت تتبلور تدريجياً في البيئة الشيعية الإسلامية.

كانت البنادق مختلفة، لكن الاحتلال كان واحداً.

حين صار الجسد سلاحاً

إذا كانت العبوة والكمين والعمل السري قد شكّلت المرحلة الأولى، فإن عام 1985 فتح باباً جديداً: العمليات الاستشهادية.

في 13 آذار 1985 نفذ وجدي الصايغ، المنتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، عملية استشهادية عند معبر كفرحونة، وتعتبر مصادر قومية العملية من أوائل العمليات الاستشهادية في مسار جمّول.

وبعد أقل من شهر، في 9 نيسان 1985، جاءت العملية التي ستتحول إلى واحدة من أشهر صور المقاومة اللبنانية: سناء محيدلي.

كانت في السابعة عشرة من عمرها عندما قادت سيارتها المفخخة باتجاه موقع للقوات الإسرائيلية عند معبر باتر في منطقة جزين.

اكتسبت العملية رمزيتها من كون منفذتها فتاة في مقتبل العمر، لكنها اكتسبت أهميتها العسكرية أيضاً من طبيعة الهجوم نفسه. وقد تبنت جمّول العملية في بيان، بينما كان انتماء سناء التنظيمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.

ومن هنا يجب ألا نقع في الخلط: سناء كانت قومية اجتماعية، وكانت العملية ضمن سياق المقاومة الوطنية وجمّول، لكن ذلك لا يعني أن كل عملية استشهادية لبنانية في تلك السنوات كانت عملية لجمّول.

ففي المقلب الآخر كانت حركة أمل تخوض مسارها الخاص في العمليات الاستشهادية.

أحمد قصير… وأمل في قلب المعركة

في 11 تشرين الثاني 1982 نفذ أحمد قصير عملية استشهادية استهدفت مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور.

وبعد سنوات جاءت عمليات استشهادية أخرى مرتبطة بحركة أمل، بينها بلال فحص وحسن قصير وغيرهما، في سياق المواجهة مع الاحتلال. وتضع الحركة نفسها هذه العمليات في صلب تاريخ مقاومتها.

وهنا تظهر لوحة المقاومة اللبنانية بكاملها:

سناء محيدلي ليست أحمد قصير، وأحمد قصير ليس بلال فحص، وبلال فحص ليس وجدي الصايغ.

لكنهم جميعاً ينتمون إلى مرحلة واحدة: مرحلة تحول الاحتلال الإسرائيلي من قوة عسكرية دخلت لبنان ظناً منها أن الأمر سيحسم سريعاً، إلى قوة تجد نفسها أمام مقاومة متعددة الرؤوس.

من 1985 إلى الشريط المحتل

في عام 1985 انسحبت إسرائيل من مناطق واسعة من لبنان، لكنها احتفظت بشريط حدودي عُرف لاحقاً بـ«الحزام الأمني».

وهنا تغيرت طبيعة الحرب.

لم تعد بيروت هي الساحة الأساسية.

انتقلت المعركة إلى الجنوب: إلى القرى والطرق والمواقع العسكرية والدوريات والحواجز.

استمرت جمّول في تنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية و«جيش لبنان الجنوبي»، كما استمرت أمل في عملياتها، وقوات الفجر في عملياتها، بينما أخذت المقاومة الإسلامية تتوسع وتكتسب بنية عسكرية أكثر تنظيماً.

وفي هذه المرحلة بدأ يتضح أن مستقبل المقاومة اللبنانية لن يكون نسخة واحدة من مقاومة 1982.

لقد بدأ ميزان القوى يتغير.

لماذا تراجعت جمّول؟

لم تتوقف جمّول لأن الاحتلال انتصر عليها في معركة فاصلة.

هذه نقطة أساسية.

لقد كان تراجعها نتيجة تغير لبنان والمنطقة معاً.

انتهت الحرب الأهلية باتفاق الطائف، وتراجع اليسار اللبناني، وانهار الاتحاد السوفياتي، وتبدلت الخريطة السياسية الإقليمية، بينما صعدت المقاومة الإسلامية كقوة عسكرية منظمة في الجنوب.

لذلك فإن القول إن «جمّول انتهت في يوم محدد» تبسيط للتاريخ.

الأدق أنها فقدت تدريجياً موقعها كإطار مقاوم مركزي في أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات، بينما واصلت بعض القوى والشخصيات التي كانت جزءاً منها أو قريبة منها العمل المقاوم بصورة منفصلة.

وبذلك لم تختفِ فكرة المقاومة، وإنما تغير حاملها.

ومن بقي في الميدان؟

مع اقتراب التسعينيات أصبح حزب الله والمقاومة الإسلامية القوة الأكثر تنظيماً واستمرارية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.

لكن هذا لا يلغي من سبق.

فالطريق إلى 25 أيار 2000 لم يبدأ في التسعينيات.

لقد بدأ في خلدة وصيدا وبيروت وصور والجنوب عام 1982.

بدأ مع مقاتلي أمل، ومع مقاتلي جمّول، ومع شباب قوات الفجر، ومع المجموعات التي ستصبح لاحقاً المقاومة الإسلامية.

ثم تراكمت السنوات والعمليات والشهداء والكمائن والعبوات والعمليات الاستشهادية.

حتى أصبح الاحتلال نفسه أمام معادلة لم يعد قادراً على تجاهلها.

وفي 25 أيار 2000 انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، في حدث أصبح يعرف في الذاكرة اللبنانية بـعيد المقاومة والتحرير.

فهل تعود جمّول؟

هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد الحنين إلى الماضي.

هل المطلوب إعادة «جمّول» كتنظيم؟

من الصعب تصور ذلك.

فلبنان الذي أنتج جمّول عام 1982 ليس لبنان اليوم. الأحزاب تغيرت، واليسار تغير، والطائفة والسياسة والسلاح تغيرت، والأهم أن المقاومة الإسلامية أصبحت قوة عسكرية وسياسية رئيسية.

لكن ثمة شيء آخر يمكن أن يعود:

الفكرة.

فجمّول لم تكن في جوهرها اسماً أو شعاراً أو مجموعة مقاتلين فقط.

كانت تقول إن الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن يصبح قضية وطنية تتجاوز الانقسامات الطائفية.

كان الشيوعي والقومي والناصري والإسلامي والجنوبي يجدون أنفسهم، في لحظة الخطر، في الجهة نفسها من الخندق.

وهذه ربما أهم دروسها.

لم تكن المقاومة اللبنانية بين 1982 و2000 مقاومة واحدة، وهذا يجب ألا نخفيه.

كانت مقاومات متعددة، بعضها تعاون، وبعضها تقاطع، وبعضها قاتل بصورة مستقلة، ثم انتهت الخريطة إلى أن تصبح المقاومة الإسلامية القوة الأبرز في مواجهة الاحتلال.

لكن التاريخ لا يبدأ عندما يصل المنتصر إلى آخر الطريق.

التاريخ يبدأ من أول رصاصة.

ومن هذه الزاوية، فإن جمّول ليست مجرد ذكرى حزبية من زمن مضى.

إنها واحدة من المحطات المؤسسة في تاريخ المقاومة اللبنانية.

فقد ولدت في بيروت حين كان الإسرائيلي داخل العاصمة، وحاربت في الشوارع والقرى والجبال، وقدمت مقاتلين واستشهاديين، ثم انحسر تنظيمها بينما بقيت القضية التي قاتلت من أجلها.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي:

هل تعاد جمّول؟

بل:

هل يستطيع لبنان أن يعيد إنتاج تلك الفكرة التي جعلت مقاومة الاحتلال قضية تتقدم على الانتماءات الحزبية والطائفية؟

إذا كان الجواب نعم، فإن جمّول لا تحتاج إلى أن تعود باسمها القديم.

يكفي أن تعود فكرتها.

أما إذا كان لبنان عاجزاً عن إنتاج هذه الفكرة، فإن إعادة الاسم لن تكون سوى إعادة لافتة إلى شارع تغيّر، ولبنان تغيّر، والمنطقة تغيّرت.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

جمّول انتهت كتنظيم، لكن السؤال الذي ولدت من أجله لم ينتهِ.

وكلما عاد الاحتلال إلى الحدود، أو عاد سؤال السيادة والمقاومة إلى قلب النقاش اللبناني، ستعود جمّول من التاريخ لا باعتبارها تنظيماً يريد أحد إحياءه، بل باعتبارها سؤالاً سياسياً لا يزال لبنان يبحث عن جوابه:

كيف يقاوم اللبناني الاحتلال، وكيف يحوّل انتصار المقاومة إلى انتصار للدولة، وكيف يجعل تحرير الأرض بداية لبناء الوطن لا نهاية له؟

ربما كانت تلك هي المعركة التي لم تُحسم بعد.