الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

ما الذي يقف وراء هيمنة الدولار الأمريكي ولماذا يُعدّ ذلك مهماً؟!

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

ترجمة بتصرف / دكتور عقيل جبر علي المحمداوي ||

 

 

مقدمة

منذ الحرب العالمية الثانية، لعب الدولار الأمريكي دورًا محورياً في النظام المالي العالمي.
فهو يُمثّل حالياً 88% من معاملات الصرف الأجنبي العالمية، و58% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، و54% من التجارة العالمية.
وباعتباره العملة الاحتياطية العالمية الافتراضية، تحتفظ البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم باحتياطيات من الدولار، بشكل رئيسي عن طريق سندات الخزانة الأمريكية. وتستخدم هذه البنوك هذه الاحتياطيات لإدارة أسعار الصرف، وتسوية المعاملات التجارية، وسداد الديون الخارجية، والتحوط من الصدمات المالية. وشهدت عملات أخرى، مثل عملات اليابان وألمانيا ومنطقة اليورو، ارتفاعاً في حصصها من الاحتياطيات العالمية خلال فترات مختلفة، لكن لم تقترب أي منها من منافسة الدولار.

مع ذلك، فإن مكانة الدولار الأمريكي ليست مضمونة، وقد شهدت تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وقد يكون لهذا الأمر تداعيات ليس فقط على الولايات المتحدة من الناحية الجيوسياسية، بل أيضاً على جيوب الأمريكيين، إذ تجني البلاد فوائد جمة (إلى جانب بعض التكاليف) من هيمنة الدولار على الأسواق المالية العالمية.

خلفية

ترسخت مكانة الدولار الأمريكي كعملة افتراضية في النظام المالي العالمي مع إنشاء نظام بريتون وودز عام 1944، حين ربطت دول أخرى قيمة عملاتها بالدولار، وربطت قيمة الدولار نفسه بالذهب. وحتى اليوم، وبعد مرور وقت طويل على تخلي الولايات المتحدة عن معيار الذهب عام 1971، لا تزال دول عديدة تربط عملاتها بالدولار نظراً لاستقراره. وتتعزز قوة الدولار بعدة عوامل، منها حجم الاقتصاد الأمريكي، واستقرار وشفافية الحكومة والمؤسسات الاقتصادية الأمريكية، ووجود بنك مركزي مستقل يحقق توازناً موثوقاً بين تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار .

يُعد الدولار الأمريكي العملة المهيمنة في التجارة الدولية، وتُعتبر الأصول المقومة بالدولار مخزناً أفضل للقيمة في الدول التي تواجه عدم استقرار. تُسعّر وتُباع سلع أساسية كالنفط والذهب والغاز الطبيعي بالدولار، حتى في المعاملات التي لا تشمل الولايات المتحدة.
وقد اعتمدت السلفادور والإكوادور (وبعض المناطق الأخرى) الدولار كعملة رسمية لها في عملية تُعرف باسم الدولرة .

كما تلجأ الدول في كثير من الأحيان إلى الاقتراض بالدولار الأمريكي ، مما يُمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من الوصول إلى مصادر إقراض دولية أوسع. وهذا يُخفف من مخاوف المستثمرين بشأن مخاطر العملات المحلية، ويُساعد هذه الدول على تأمين التمويل بشروط مواتية، نظراً لاستقرار الدولار وقبوله العالمي.

على الرغم من المزايا العديدة للاحتفاظ باحتياطيات الدولار عبر سندات الخزانة الأمريكية، إلا أن هناك مخاطر تواجه دولاً أخرى، بعضها شهد نمواً مؤخراً. وتشمل هذه المخاطر ما يلي:

الآثار العابرة للحدود للسياسات النقدية للاحتياطي الفيدرالي (تدفقات رأس المال إلى الخارج، وتقلبات أسعار الصرف، وما إلى ذلك)، لا سيما خلال دورات التشديد النقدي.
إمكانية ” تسليح ” الدولار الأمريكي من خلال استخدام العقوبات – ومؤخراً الرسوم الجمركية – ضد دول أخرى، بما في ذلك الحلفاء.
إن تدهور الوضع المالي للولايات المتحدة والمواجهات المتكررة بشأن سقف الدين ، تقوض مكانة الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية كملاذ آمن.
على مدى عقود، ورغم هذه المخاوف، لم يكن لدى الدول سوى بدائل قليلة لاحتياطيات الدولار. وقد يتغير هذا الوضع الآن، حيث:

أصبحت العملات غير التقليدية – مثل الدولار الأسترالي والدولار الكندي والدولار السنغافوري والوون الكوري والكرونة السويدية – اليوم أكثر سيولة وقابلية للتداول من ذي قبل (بفضل تقنيات ومنصات التداول الجديدة) وتمثل حصة متزايدة من الاحتياطيات العالمية.
كما عاد الذهب إلى الواجهة ويشكل حصة متزايدة من محافظ احتياطيات البنوك المركزية.
يمكن أن توفر العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، التي كانت الولايات المتحدة مترددة في تطويرها (لكن دولًا أخرى تستكشفها)، بديلاً للدولار للمعاملات المالية الدولية على المدى الطويل.
فوائد وتكاليف هيمنة الدولار الأمريكي

يمنح وضع الدولار الأمريكي كعملة احتياطية الولايات المتحدة امتيازًا استثنائيًا لا يتوفر للدول الأخرى. ومن بين الفوائد التي تعود على الحكومة الأمريكية والشركات والأسر:

انخفاض تكاليف الاقتراض:
تشير التقديرات إلى أن تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة أقل بنسبة تتراوح بين 10 و30 نقطة أساس نظراً لوضع الدولار كعملة احتياطية. ويؤدي الطلب الواسع على الدولار والثقة به إلى خفض تكاليف الفائدة التي كانت الحكومة ستدفعها على ديونها، كما يزيد من قدرتها الإجمالية على الاقتراض مقارنةً بالدول الأخرى.
زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر: مع ازدياد امتلاك المستثمرين العالميين للدولار، يزداد احتمال استثمارهم في السوق الأمريكية، لا سيما بالنظر إلى حجمها وانفتاحها واستقرارها.
لهذه الأسباب مجتمعة، تُعدّ الولايات المتحدة أكبر متلقٍّ للاستثمار الأجنبي المباشر ، حيث استقبلت 5.3 تريليون دولار في عام 2023.
لا توجد مخاطر تتعلق بالعملة: تحدّ كل من الحكومة الفيدرالية الأمريكية والمقترضين من الشركات من صدمات سعر الصرف عن طريق الاقتراض بالدولار بدلاً من العملات الأجنبية.

* انخفاض تكلفة الواردات: يؤدي ارتفاع قيمة الدولار إلى خفض تكلفة السلع المستوردة للشركات والمستهلكين، مما يزيد من مستويات المعيشة للأسر الأمريكية حيث تستفيد من انخفاض الأسعار.
* قوة العقوبات: إن هيمنة الدولار تمنح الولايات المتحدة نفوذاً قوياً لفرض عقوبات بعيدة المدى ضد الدول الأخرى لأن معاملات الدولار يجب أن تستخدم عادة البنية التحتية المصرفية الأمريكية، مما يمنح الحكومة الأمريكية قدرة أكبر على تجميد المعاملات والاستيلاء على الأصول.
إلا أن مكانة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية لا تخلو من سلبيات، منها:

* العجز التجاري: يؤدي ارتفاع الطلب الأجنبي على الأصول المقومة بالدولار إلى تعزيز قيمة الدولار، ما يجعل الصادرات الأمريكية أغلى نسبياً والواردات أرخص. ويسهم هذا في تفاقم العجز التجاري، وقد يضر بالعمالة المحلية في قطاع التصنيع وغيره من القطاعات التنافسية تجارياً. علاوة على ذلك، وكما ذُكر آنفاً، فإن رغبة الدول الأخرى في الحصول على الأصول المقومة بالدولار تُموّل من خلال واردات ضخمة إلى الولايات المتحدة. وبالتالي، يرتبط العجز التجاري بمكانة الدولار كعملة احتياطية.

* ارتفاع الدين الأمريكي: ربما ساهم سهولة الحصول على قروض رخيصة في مستويات الدين المذهلة الحالية من خلال تشجيع الحكومة الأمريكية على الاقتراض بمستويات مرتفعة، متجاهلة تحذيرات وكالات التصنيف التي تدعو إلى إصلاحات لخفض العجز.

* مخاطر الديون الخارجية: يمتلك المستثمرون الأجانب سندات خزانة أمريكية بقيمة 9 تريليونات دولار ، وهو ما قد يكون سلاحًا ذا حدين. يلعب الإقراض الأجنبي دورًا هامًا في تمويل عجز الميزانية الفيدرالية، ويحافظ على انخفاض عوائد سندات الخزانة، ويعزز مكانة أمريكا كأهم ملجأ عالمي. مع ذلك، يخشى البعض من أن تؤدي مدفوعات الفائدة على هذه الديون الخارجية إلى توجيه أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى الخارج بدلاً من إنفاقها محليًا، أو أن تتمكن دول أخرى من استخدام حيازاتها من سندات الخزانة لرفع حصتها فيها .