حوار مع الفقر..!
✍️ عبد الإله عبد القادر الجنيد ||

عبد الإله عبد القادر
بسم الله الرحمن الرحيم
في زمن تمادى فيه طغاة الأرض، واشتد حصارهم على المستضعفين، ولا سيما في يمن الإيمان والحكمة، فنهبوا خيراتها ظلماً وعدواناً.
وما كان لهم ذلك لولا خيانة أيادٍ من جلدتنا، مدّت للمحتلين، وخذلت الشرفاء الذين ما فتئوا يذودون عن دينهم وعرضهم، مستمدين العون من ربهم، وعليه يتوكلون.
فلما كان الأمر كذلك، وجد الفقر البيئة الخصبة، فتفشى كالسَّرَطانِ في الجسد العليل، وزاد عليه سوء الإدارة والاحتكار وغلاء الأسعار.
وهنالك سلك طريقه نحوي، فوجدني وطناً آمناً يلوذ به، وسكناً طيباً يأوي إليه، فغدا بينه وبين نفسي وئام، وفيه أجدها مطمئنة تحيا بسلام.
وبينما كنا جلوساً،
قلت للفقر: حدثني عن نشأتك؟
قال: اعلم أنني عَرَض ونتيجة، لم أكن يوماً ابتداءً.
فقلت: وكيف؟
قال: إذا غابت العدالة، وحل الظلم، وأكثر المجرمون الفساد، ونهب المستكبرون الثروات، واحتكر المال الأراذل، فتلك بيئة لظهوري وسرعة تغلغلي.
فقلت: صدقت.
إن الله عَدْل، ولا يرضى لعباده الحاجة. فقد خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها، وأمرنا بالسعي، وأقسم أن رزقه حق. وتأمل قوله تعالى:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢-٢٣].
قال: أحسنت.
فقلت: عجباً كيف يطغى الإنسان على أخيه طمعاً، وهو يعلم أن في الأرض ما يكفي الخلق أجمعين.
قال: إنها الأطماع وحب التملك.
فلا تعجب ممن صاروا عبيداً للمال.
وفي تلك الأثناء حان وقت عشائي المتواضع،
فقلت: تفضل نتعشى ثم نكمل؟
قال مبتسماً: تناول عشاءك بالهناء.
أما أنا فقد فرغت من وجبتي.
فقلت: وما كانت؟
قال بصوت خافت: طبق من معاناة المعدمين، وآخر من أنّات الجوعى، محلّى بآهات العاجزين، وارتشفت بعده كأساً من دموع المحرومين.
فارتجف قلبي وقلت: لماذا يرتعب الناس منك؟
قال: لأنهم لا يكرمون اليتيم، ولا يحضون على طعام المسكين.
فإن فعلوا ذلك تلاشيت.
فقلت غاضباً: لو لم تكن ضيفي لقتلتك.
قال بهدوء: إن أردت الخلاص فاحمل سيفك، واقتل أسبابي.
فقلت: ومن لا يقوى على السلاح؟
قال: لكلٍ سلاحه.
فمنكم من يجاهد بقلمه، والبعض بلسانه، ومنكم بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ومنكم بعلمه ونصحه.
وكلكم تشتركون في سلاح لا يخيب: التوجه إلى الله بالدعاء، والصبر في مقام العمل، عصمة المتقين.
وأما المنغمسون في الحرام فهم عنه غداً مسؤولون ومحاسبون.
فقلت: وما حيلة العاجز؟
قال: ألم تعلم أن للعاجز عند ربنا رزقاً مقسوماً؟
فاسمع لقوله تعالى:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥].
ولو أخرج الأغنياء زكاتهم كما أمر الله، وصرفت في بناء مشاريع إنتاجية لتحول الفقير من آخذ إلى منتج، ومن سائل إلى دافع.
فقلت: وهل رأيت الغنى؟
قال: نعم. رأيته في بيوت البخلاء، آتاهم الله الوفرة فعاشوا عيشة الفقراء، وسيحاسبون حساب الأغنياء.
فقلت: فما السبيل للخلاص؟
قال: التوكل.
لو توكل الناس على الله حق التوكل لرزقهم كما يرزق الطير.
فقلت: وما دواؤك؟
قال: كتاب الله.
لو عادوا إليه لوجدوا المخرج واطمأنت قلوبهم.
فقلت: صدقت.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣].
وقال:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٠-١٢].
قال: طوبى للمستبصرين الذين أسلموا أمرهم لربهم، وهم بوعده موقنون.
فقلت: فهل آن لك أن ترحل؟
قال: هذا ليس بيدي ما دام الفساد والحصار وتجبر الجبابرة.
فاصبر الصبر الجميل، وانهض بمسؤوليتك في مواجهة الباطل وكسر هيمنة المستكبرين، جهاداً في سبيل الله، وإن الله على نصركم لقدير.
وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
وحينها أدركت أن تسبيح الله يتجلى في معرفة سننه:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وبعد ليلة طويلة، داعب النعاس أجفاني، فأسلمت جسدي المنهك للنوم، وأملي أن يشرق الغد بالفرج، ويحمل للمستضعفين البشارات.
____
الله أكبر
الْمَوْتُ لِأَمْرِيكَا
الْمَوْتُ لِإِسْرَائِيلَ
اللَّعْنَةُ عَلَى الْيَهُودِ
النَّصْرُ لِلْإِسْلَامِ




