الأحد - 30 اغسطس 2026
منذ ساعة واحدة
الأحد - 30 اغسطس 2026

أسعد عبد الله عبد علي ||

 

 

في تلك القاعة الضيقة التي تفوح منها رطوبة الجدران وتاريخ المظالم الصغيرة، لم يكن الأستاذ “جرية” مجرد رجل يلقي الدروس، بل كان حلزوناً يفرز لزوجته المسمومة على أحلام الشباب. شَبَّهه الجميع بسمك “الجري” القاعية؛ تلك الكائنات التي تقتات على العفن، وتفوح منها رائحة الزفر الخانقة التي تتسلل إلى الخياشيم فتجعل الروح تقيئ أوهامها. كان يضع العقبات كمن يغرس الأشواك في طريق العميان، يستمتع بمرأى الأقدام وهي تتخبط، حتى تيقن الجميع أن المقصلة جاهزة، وأن الرسوب هو المصير المحتوم الذي كُتب بسواد حبره.
لكن “عبودي” ذلك الفتى الذي طالما اعتبره الجميع التجويف الأكبر للغباء، الفراغ المادي المبثوث في هيئة بشر — كان الوحيد الذي امتلك الحاسة السائبة لقراءة السقوط. لم يفهم المادة، لكنه فهم المأساة؛ صَدّق أن العالم لا يدار بالحقيقة، بل بالعفن المتبادل.
تسلل عبودي، برفقة سمسار يتنفس السمسرة كما يتنفس الحطب الدخان، إلى جحر “جرية”. هناك، في تلك الغرفة المسكونة برائحة العفن الأبدي، لم يقدّم عبودي استعطافاً، بل قدّم طُعماً يليق بطفيلية الأستاذ. عرض عليه عبودي خدماته المبهمة والدنيئة، صفقة سرية تضمن صك النجاح، وتمنح الأستاذ هدية فخمة تليق بجشعه. وفي تلك اللحظة، أشرقت بؤرة عينَي الجرية بوميض مرعب؛ فرحة نتنة تشبه انبعاج جثة طافية عند ملامسة الضوء. لقد كان فرحاً لا لأنه امتلك الهدية، بل لأن الغباء قد اعترف أخيراً بشرعية سلطته الدنيئة.
وحين انقضى الشهر، وسقطت الأوراق كما تسقط الجثث في معركة خاسرة، خرس الجميع. رسب الرفاق ، كُسرت أقلامهم تحت وطأة العدالة المزيفة، بينما كان اسم “عبودي” يلمع في قائمة الناجحين ببريق نحاسي رخيص.
لقد نجح عبودي، لا لأنه ارتقى، بل لأنه هبط إلى القاع حيث يعيش الأستاذ. فاز الجرية بهديته الفخمة ليغذي بها تعفنه الداخلي، واكتشف الجميع الحقيقة المرة: في مسرح السقوط البشري، ليس الذكاء هو من ينجو، بل القدرة على التنفس داخل الزفر دون أن ترمش لك عين.
الكاتب/ اسعد عبد الله عبد علي
الاحد 30- 8- 2026
العراق – بغداد – باب المعظم