مع صوت المجاهد جمال الدرة.. إلى جمال الدرة… والد الشهيد محمد الدرة..!
الإعلامية الدكتورة جمانة كرم عياد ||
يا أبا محمد…
من بين ذراعيك، يوم كان جسد محمد الصغير يرتجف أمام رصاص الاحتلال، عرفنا أن البطولة لا تُقاس بعمر أصحابها، وأن الشهادة قد تبدأ من طفلٍ صغير، لكنها تكبر حتى تصبح قضية أمة.
منك عرفنا الجهاد والصمود والتضحيات؛ وعرفنا أن الأب قد يحمل ابنه مرةً بين ذراعيه، ثم يحمل قضيته بقية عمره، وأن الجرح الذي يسكن الجسد قد يتحول إلى شهادةٍ لا يستطيع الزمن إسكاتها.
يا جمال الدرة…
لقد حاولوا أن يجعلوا من رصاصهم نهايةً لمحمد، فإذا بمحمد يصبح بدايةً لذاكرةٍ لا تموت. وحاولوا أن يدفنوا الحكاية تحت ركام غزة، فإذا بها تعبر القارات، وتدخل ضمير العالم، وتقول لكل حر: هنا شعبٌ يُقتل لأنه تمسّك بأرضه وحقه وكرامته.
وحدك، وأنت تحمل آثار الرصاص في جسدك، وتواصل الوقوف رغم الفقد والتهجير والدمار، تختصر حكاية فلسطين كلها:
جسدٌ مثخن بالجراح، وقلبٌ لم ينكسر، وإرادةٌ لم تُهزم.
منك تعلّمنا أن التضحية ليست كلمةً تُقال، بل موقفٌ يُدفع ثمنه من العمر والدم والوجع؛ وأن كل شيء يهون عندما نكون على حق، وأن من يعرف حقه لا يستطيع الظلم أن ينتزع منه يقينه، مهما طال الليل ومهما تكاثرت الجراح.
لقد فقدت محمد، ثم توالت عليك الفواجع، وفقدت من أهلك وأحبتك عشرات الأرواح، لكنهم لم يستطيعوا أن ينتزعوا منك فلسطين.
وهنا تكمن عظمتك: أن تخسر الكثير، ولا تخسر قضيتك؛ أن ينكسر البيت، ولا تنكسر الروح؛ أن يُثقل الجسد بالجراح، ولا تسقط الراية.
يا أبا محمد،
لستَ مجرد والد شهيد؛ أنت شاهدٌ حيّ على عصرٍ حاول فيه القتل أن يمحو الحقيقة، فبقيت الحقيقة أقوى من القتل.
وفي كل مرة تُروى فيها قصة محمد، سيبقى اسمك إلى جواره؛ لأن الأب الذي احتضن طفله تحت وابل الرصاص، ثم نهض يحمل ذاكرة ابنه وقضية شعبه، قد كتب بدمعه وصبره صفحةً لا تُمحى من تاريخ فلسطين.
محمد لم يمت في ذاكرتنا، لأنك لم تسمح لقضيته أن تموت.
سلامٌ على محمد…
وسلامٌ على الأب الذي علّمنا، دون أن يلقي درساً، أن الحق قد يُكلّف الإنسان كل شيء، لكن كل شيء يهون حين يكون الإنسان على حق.




