الأحد - 30 اغسطس 2026

 حين أعدمت السلطة تاجراً وأرادت إخافة مدينة..!

منذ أسبوع واحد
الأحد - 30 اغسطس 2026

عبد الجبار الجزائري ||

 

 

لم يكن الحاج عبد الحسين نور محمد جيتا مجرد تاجر ثري في البصرة، بل كان واحداً من الوجوه الاقتصادية والاجتماعية المعروفة في المدينة خلال منتصف القرن العشرين. وُلد سنة 1911 في كراتشي، يوم كانت جزءاً من الهند البريطانية، وينحدر من أسرة ذات أصول هندية، ثم استقر في البصرة وأصبح جزءاً من نسيجها التجاري والاجتماعي. وتصفه دراسة حديثة صادرة عن مركز دراسات البصرة والخليج العربي في جامعة البصرة بأنه رجل أعمال من أصول هندية اكتسب هوية عراقية بصرية واضحة، وترك أثراً في ميادين التجارة والخدمة الاجتماعية.

عمل جيتا في تجارة الحبوب والتمور والوكالات البحرية، لكنه عُرف أكثر بأعمال البر والإحسان؛ فساهم في بناء المساجد والمشاريع الخيرية، وأقام المجالس الدينية، وفتح بابه للفقراء والمحتاجين. وهكذا تجاوزت مكانته حدود المال والتجارة، ليصبح شخصية ذات حضور اجتماعي وديني واسع في البصرة.

لكن العراق كان قد دخل بعد انقلاب 17 تموز 1968 مرحلة جديدة من حكم حزب البعث، اتسمت في بداياتها بمحاولة السلطة تثبيت نفسها بالقوة وإظهار قدرتها على سحق خصومها الحقيقيين والمفترضين. وفي أواخر عام 1968 اعتُقل جيتا ضمن مجموعة اتُّهمت بتشكيل شبكة تجسس، ثم صدرت بحقه أحكام بالإعدام في كانون الثاني 1969. وتصف الدراسة الأكاديمية المنشورة في مجلة دراسات البصرة المحاكمة بأنها صورية، وتورد أن المتهمين تعرضوا لتحقيقات قاسية وأن الاعترافات انتُزعت تحت التعذيب.

وفي فجر 27 كانون الثاني 1969 نُفذ حكم الإعدام شنقاً بالحاج جيتا وعدد من المتهمين الآخرين، ثم عُلّقت جثته علناً في ساحة أم البروم في البصرة. ولم يكن تعليق الجثث مجرد تنفيذ لعقوبة قضائية؛ فقد تحول ذلك اليوم إلى استعراض سياسي علني للقوة، استُخدمت فيه أجساد المعدومين لبث الخوف وإيصال رسالة إلى المجتمع بأن السلطة الجديدة قادرة على الوصول إلى كبار التجار والوجهاء والشخصيات المؤثرة.

قصة الحاج جيتا لا تختصر مأساة رجل واحد، بل تكشف طبيعة مرحلة كان فيها الاتهام السياسي قادراً على أن يحوّل تاجراً ومحسناً معروفاً في مدينته إلى «جاسوس» خلال أيام، وأن تتحول ساحات المدن إلى أماكن لتعليق الجثث بدلاً من أن تكون فضاءات للحياة العامة.

لقد جاء جيتا إلى البصرة من جذور بعيدة، لكنه عاش فيها وخدم أهلها حتى أصبح واحداً منهم. وحين أُعدم، لم تفقد البصرة تاجراً فقط، بل فقدت وجهاً من وجوه مدينتها القديمة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: قد يأتي الإنسان من الهند فيصبح بصرياً بأعماله وخدمته للناس، وقد تصل سلطة إلى بغداد باسم الوطن فتعامل أبناء الوطن بوصفهم أعداء.