الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

خطأ القائد السني المنبوذ الذي اراد ان يركب موجة حصر السلاح بالنيابة لولا بخت الشيعة..!

الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

 

لم يكن خطاب عدنان الجنابي المدفوع سياسيا بشأن جرف النصر مجرد زلة سياسية عابرة، بل كان في توقيته ومضمونه وما تبعه من خطاب وتحريض خطأً قاتلاً كشف أوراقاً كان ينبغي أن تبقى مخفية من قبل الراعي السني لهذا المشروع الطائفي، وخصوصاً في لحظة سياسية شديدة الحساسية تتزامن مع الحديث عن القصف السعودي للحشد الشيعي و مشروع حصر السلاح الشيعي بيد الدولة في 30 أيلول 2026.

حين يُقدَّم جرف النصر على أنه أرض محتلة، ويُطرح الحديث عن محاسبة من يصفهم الخطاب السياسي بـمحتليها الشيعة بلغة تحمل أبعاداً طائفية وانتقامية، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع ليست رسالة دولة وقانون، وإنما استدعاء لذاكرة دامية عاشها العراقيون، ولا سيما الشيعة، في سنوات الإرهاب والقتل والتهجير والمقابر الجماعية.

الأخطر من التصريح نفسه هو ما كشفه من ردود أفعال وخطاب موازٍ على مواقع التواصل والبرامج السياسية، حيث ظهرت تهديدات بالقتل والذبح والتصفية والانتقام، وكأن البعض يريد إعادة العراق إلى زمن كانت فيه الطائفة هدفاً مشروعاً للعنف السياسي والإرهابي.

وهنا وقعت الصدمة.
فبدلاً من أن يطمئن الخطاب السياسي الشيعة إلى أن الدولة القادمة ستكون دولة قانون تحمي الجميع، جاءت تصريحات جرف النصر لتوقظ ذاكرة الماضي وتعيد سؤالاً قديماً إلى الواجهة: ماذا سيحدث إذا سلّم الشيعة سلاحهم، ثم اكتشفوا أن الطرف الآخر لا يزال ينظر إليهم بمنطق الثأر والغلبة والانتقام ومدعوم خارجيا؟

إن قضية حصر السلاح بيد الدولة لا يمكن أن تُبنى على الثقة العمياء، ولا على الشعارات، ولا على مطالبة طرف واحد بتسليم قوته بينما يسمع في المقابل خطاباً يهدده بالطائفية والانتقام والاستعانة بجيوش دول مجاورة ضده. الدولة القوية هي التي تجعل المواطن يسلّم سلاحه لأنه يثق بأن القانون سيحميه، وأن مؤسسات الدولة لن تتحول إلى أدوات بيد طائفة ضد طائفة أخرى.

ولذلك فإن الطرف السني الذي دفع باتجاه هذا الخطاب، أو شجعه سياسياً وإعلامياً، ارتكب خطأً استراتيجياً كبيراً. لقد أراد، على ما يبدو، أن يجعل من جرف النصر عنواناً لمشروع سياسي، فإذا به يحولها إلى كاشف لما تخفيه بعض النفوس والعقول من رغبة في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

لقد كان العراقيون يتحدثون عن الدولة، فإذا بالبعض يعيدهم إلى الطائفة. وكان الحديث عن القانون، فإذا بالتهديد والانتقام يطلان من جديد. وكان المطلوب بناء الثقة، فإذا بخطاب جرف النصر يهدم ما تبقى منها.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الخطأ الأكبر لم يكن في الحديث عن جرف النصر وحدها، بل في اختيار التوقيت واللغة والأسلوب. فمن يريد إقناع العراقيين بحصر السلاح بيد الدولة، عليه أولاً أن يقنعهم بأن الدولة لن تكون نسخة جديدة من الماضي، وأن لا أحد سيُترك فريسة للثأر أو التصفية أو الانتقام.

أما نحن، كشيعة، فنحمد الله على أن هذا الخطاب ظهر قبل فوات الأوان؛ لأنه أعاد إلى الأذهان حقيقة لا يجوز نسيانها: حماية الدولة لا تعني تسليم النفس للمجهول، وحصر السلاح لا يمكن أن يكون مشروعاً طائفياً، بل مشروعاً وطنياً لا ينجح إلا بضمانات حقيقية وعدالة متساوية وحماية لجميع العراقيين.

لقد كشف خطاب جرف النصر أكثر مما أراد أصحابه أن يكشفوا. وأعاد إلى الذاكرة أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالنسيان القسري، ولا بإجبار الضحية على نسيان ماضيها، وإنما بضمان ألا يتكرر ذلك الماضي.

فالشيعي الذي عاش سنوات الإرهاب والمقابر الجماعية والتهجير والقتل لن يقبل أن يُطلب منه أن ينسى كل ذلك بكلمة (وطن) او (دولة)، ثم يُفاجأ بخطاب طائفي يهدده من جديد.

إن أردتم دولة قوية، فابنوها بالقانون.
وإن أردتم حصر السلاح، فاجعلوا الدولة أولاً جديرة بأن يُسلَّم إليها السلاح.

أما أن يُطلب من طرف أن يتخلى عن قوته، بينما يسمع من الطرف الآخر لغة التهديد والانتقام، فذلك ليس بناءً للدولة، بل مغامرة قد يدفع العراق كله ثمنها.

وجرف النصر، بهذا المعنى، لم تعد مجرد قضية أرض أو سياسة؛ لقد أصبحت اختباراً حقيقياً لنيات الجميع: هل نريد عراقاً تحكمه الدولة والقانون، أم نريد العودة إلى عراق الطوائف والثأر والمقابر؟

والأيام القادمة ستجيب.
ضياء ابو معارج الدراجي