العلم والمعرفة في زمن الانتظار..!
د. مسعود ناجي إدريس ||

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة الكرام…
إن من أهم الأسئلة التي يجب أن نطرحها في ثقافة الانتظار هو:
أي نوع من الإنسان يحتاجه مشروع الحق؟
هل يحتاج فقط إلى إنسان يحمل المحبة والمشاعر؟
أم يحتاج أيضاً إلى إنسان يمتلك الوعي والمعرفة والبصيرة؟
إن المحبة الصادقة لا تنفصل عن المعرفة، لأن الإنسان عندما يعرف قيمة ما يحب، يصبح أكثر ثباتاً في طريقه وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية.
ولهذا فإن العلم والمعرفة من أهم أركان بناء الإنسان المنتظر.
أيها الأحبة…
الانتظار ليس مجرد ارتباط عاطفي بالمستقبل، بل هو مشروع يحتاج إلى إنسان يفهم الواقع، ويعرف التحديات، ويميز بين الطريق الصحيح والطرق التي قد تبعده عن الهدف.
فالإنسان بدون معرفة قد يحمل نية طيبة، ولكنه قد يخطئ في الطريق.
وقد يتحمس لقضية عظيمة، ولكنه لا يعرف كيف يخدمها بطريقة صحيحة.
ولهذا جعل الإسلام طلب العلم من القيم الأساسية في بناء الإنسان.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(سورة الزمر، الآية ٩)
فالعلم ليس مجرد زيادة في المعلومات، بل هو قدرة على الفهم والاختيار الصحيح.
أيها الأحبة…
المنتظر الحقيقي يحتاج إلى معرفة ثلاثة أمور أساسية:
أولاً: معرفة الله سبحانه وتعالى.
لأن كل مشروع إلهي يبدأ بمعرفة الخالق والارتباط به.
فكلما عرف الإنسان عظمة الله، أصبح أكثر قدرة على السير في طريق الطاعة.
ثانياً: معرفة الطريق.
فالإنسان لا يكفي أن تكون لديه رغبة في الوصول، بل يحتاج إلى معرفة الطريق الذي يسلكه.
ولهذا يحتاج إلى القرآن، وإلى تعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، وإلى العلم الذي يزيده بصيرة.
ثالثاً: معرفة المسؤولية.
فالإنسان الذي ينتظر مشروعاً عظيماً يجب أن يعرف ما دوره فيه.
ما الذي يستطيع أن يقدمه؟
كيف يكون عنصراً نافعاً؟
كيف يخدم الحق في زمانه؟
أيها الأحبة…
من أخطر الأمور أن يعيش الإنسان بحماس بلا وعي.
فالحماس وحده لا يكفي.
والنية الحسنة وحدها لا تكفي.
فكم من إنسان أراد الخير، ولكنه بسبب قلة المعرفة اختار الطريق الخطأ.
ولهذا كان القرآن دائماً يدعو الإنسان إلى التفكر والتدبر.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
(سورة البقرة، الآية ٤٤)
فالإنسان المؤمن ليس إنساناً يتبع كل فكرة تصل إليه، بل هو إنسان يفكر ويبحث ويتأكد.
أيها الأحبة…
في عصرنا الحالي أصبحت المعرفة أكثر أهمية.
لأن الإنسان يعيش وسط كم كبير من المعلومات والأفكار.
هناك من يقدم أفكاراً صحيحة.
وهناك من يقدم أفكاراً ناقصة أو منحرفة.
ولهذا يحتاج الإنسان المنتظر إلى بصيرة تجعله قادراً على التمييز.
ليس كل ما ينتشر صحيحاً.
وليس كل ما يرفع شعاراً إيمانياً يمثل الحقيقة.
فالوعي يحمي الإنسان ويحفظ طريقه.
أيها الأحبة…
العلم في ثقافة الانتظار ليس علماً منفصلاً عن الأخلاق والعمل.
فالهدف ليس أن يصبح الإنسان أكثر معلومات فقط، بل أن يصبح أكثر نفعاً.
العلم الذي لا يتحول إلى مسؤولية قد يبقى مجرد معرفة.
أما العلم الذي يقود إلى خدمة الناس ونشر الخير فهو علم يبني الإنسان والمجتمع.
أيها الأحبة…
إن بناء المجتمع المهدوي يحتاج إلى علماء ومفكرين وشباب يمتلكون القدرة على الفهم والتواصل والإبداع.
يحتاج إلى أجيال لا تكتفي بحفظ الأفكار، بل تفهمها وتستطيع تقديمها للعالم بلغة مناسبة.
لأن رسالة الحق تحتاج دائماً إلى من يحملها بوعي وحكمة.
أيها الأحبة…
علينا أن نسأل أنفسنا:
هل نطلب العلم لنقترب من الله؟
هل معرفتنا تجعلنا أكثر مسؤولية؟
هل نحن قادرون على فهم زماننا والتعامل مع تحدياته؟
فالانتظار الحقيقي ليس انتظار إنسان جاهل، بل انتظار إنسان واعٍ يعرف طريقه وهدفه ومسؤوليته.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والبصيرة الصادقة، وأن يجعلنا من الذين يعرفون الحق ويتبعونه، وأن يوفقنا للسير في طريق الاستعداد لظهور حضرة صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
والحمد لله رب العالمين.




