الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

قال تعالى: وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿سورة الصَّف: 13﴾..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿سورة الصَّف: 13﴾

ثَمَّة حقيقة كبرى يريد القرآن أن يرسّخها في وعي المؤمن، وهي أن الإيمان ليس حالة روحية معزولة عن حركة الإنسان في الحياة، وليس علاقة فردية بين الإنسان وربه تنتهي عند حدود العبادة والالتزام الشخصي بشريعته، وإنما هو طاقة تتحول إلى موقف، وموقف يتحول إلى حركة، وحركة تصنع التاريخ.

ولذلك، حين تحدثت سورة الصف عن التجارة التي عرضها الله على المؤمنين، في الآيات التي سبقت هذه الآية، جعلت رأس مالها الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، ثم وعدت المؤمنين بالثمن العظيم: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.

ولكن القرآن لا يترك الإنسان معلقًا في انتظار الآخرة، ولا يريد منه أن ينظر إلى الحياة الدنيا باعتبارها مجرد ساحة للعذاب والحرمان، وإنما يضيف إلى ذلك وعدًا آخر: ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. إنها آية قصيرة، لكنها تختزن فلسفة كاملة في علاقة الإيمان بالحياة، وعلاقة التضحية بالنصر، وعلاقة الإنسان المؤمن بالتاريخ.

﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا﴾ الخطاب القرآني يلتقي مع الطبيعة الإنسانية. فالإنسان الذي يؤمن ويضحّي ويصبر ويجاهد ويقدم ماله وطاقته وراحته، يريد أن يرى ثمرة لما يبذله. يريد أن يرى الحق الذي آمن به وهو يتحول إلى واقع، والعدل الذي ناضل من أجله وهو يتحرّك في الأرض، والباطل الذي قاومه وهو يتراجع وينحسر. والقرآن الكريم يراعي هذا التطلع الإنساني ويضعه في سياقه الصحيح. فالمؤمن يتطلَّع إلى الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة، ويجاهد أعداءه وأعداء الله ويحب أن يُنزِل الله عليه النصر، لما فيه من إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإماتة الظلم وإحياء العدل، وإزهاق المنكر، وإعلاء شأن المعروف،

والله سبحانه يبشره به ويقول له: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى قوله تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾. فالنصر من منظور القرآن ليس نتيجة للقوة البشرية فحسب، وليس ثمرة الحسابات المادية وحدها، وليس وليد كثرة العدد والعُدَّة فحسب، فكم من إمبراطوريات امتلكت أعدادًا ضخمة من الجنود، وعتادًا متطورًا، واقتصادًا عظيمًا، ولكنها هُزِمَت وتلاشَت أمام جماعة قليلة العدد، فقيرة العتاد، وها هي أغنى وأعتى وأطغى وأظلم إمبراطورية في التاريخ تُهزَم اليوم أمام دولة محاصرة حصارًا خانقًا وعلى مختلف الصُّعُد، مِمّا يعني أن للنصر أسبابًا وعوامل أخرى، من الإيمان بالله، ويقين الأمة بحقها، واجتماع كلمتها، وأهمها قيامها بتكليفها الإلهي، فيُنزِلُ الله النصر عليها.

فالنصر من منظور القرآن هو من الله تعالى. وهذا لا يعني أن المؤمن ينتظر النصر من دون أن يبني أسبابه، أو أن يترك التخطيط والإعداد والعمل ثم يطلب من الله أن يصنع له النصر بمعجزة، فذلك مخالف للسُّنَنِ الإلهية التي أقام الله الحياة عليها.

وعندما نؤمن أن النصر من الله، فمعنى ذلك أن المؤمنين يُعِدُّون ما يستطيعون من أسباب القوة، ولكنهم يدركون في نفس الوقت أن الأسباب لا تعمل استقلالًا عن الله، وأن النتيجة النهائية ليست ملكًا لهم، وإنما هي بيد الله. إنهم يعملون، ويخططون، ويضحّون، ويقاومون، ويبذلون الجهود الكافية، ويأخذون بالأسباب، ولكن قلوبهم تبقى معلَّقة بالله تعالى، منه تستمد العون والتسديد والنصر، إنهم يثقون بقدراتهم ولكنهم لا يستغنون عن ربهم الذي يدبِّر أمورهم، مما يجعل النصر إلهيًا يجري عبرهم بعد أن استوفوا شروطه وأسبابه.

وعندما يتحدث القرآن عن النصر لا يتحدث فقط عن سقوط عدو وارتفاع راية، وإنما عن انتقال الإنسان والمجتمع من حالة الضَّعف إلى حالة القوة، ومن العجز إلى الفاعلية، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الخوف إلى الثقة، ومن التمزق إلى الوحدة.

ومن هنا نفهم أن النصر في المنظور القرآني أوسع بكثير من مفهوم الغَلَبَة الآنية. إنه فتحٌ بكل المقاييس، فتح في الفكر، وفتح في الوعي، وفتح في الإمكانات، وفتح في العلاقات، وفتح في القلوب، وفتح في الظروف التي كانت تبدو مستحيلة. فقد يكون المؤمنون محاصرين من كل الجهات، ثم يفتح الله لهم بابًا لم يكن في حساباتهم.

ولهذا لا ينبغي للمؤمنين أن يقرؤوا الواقع بعين اللحظة وحدها. فما يبدو اليوم انسدادًا كاملًا قد يكون في علم الله مقدمة لفتح قريب. وما يبدو تأخرًا قد يكون إعدادًا، وما يبدو ضَعفًا قد يكون مرحلة انتقال من قوة هشَّة إلى قوة أكثر رسوخًا.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 18/8/2026 الساعة (04:47)