دولة العلم: حين تصبح المعرفة قوة الدولة..!
كندي الزهيري ||

من يمتلك العلم يمتلك القوة، ومن يمتلك المعرفة يمتلك القدرة على صناعة المستقبل. هذه ليست مجرد عبارة فلسفية، بل حقيقة أصبحت تحكم طبيعة الدول في العصر الحديث؛
فالقوة لم تعد تُقاس فقط بحجم الجيوش واتساع الأراضي ووفرة الموارد الطبيعية، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وتوظيفها، وتحويلها إلى إقتصاد قوي، ومؤسسات فعالة، وتكنولوجيا متقدمة، وأمن مستدام، وتنمية حقيقية. ومن هنا تبرز الحاجة في العراق إلى إعادة التفكير في مفهوم (إدارة الدولة)، فالعراق يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، ورصيداً بشرياً كبيراً، وجامعات ومراكز علمية وكفاءات منتشرة في مختلف الاختصاصات، لكن المشكلة ليست دائماً في غياب الإمكانات، وإنما في “ضعف العلاقة بين المعرفة وصناعة القرار” .
لقد أعتاد العالم أن يرى الدول الناجحة وهي تضع الخبرة العلمية في قلب عملية التخطيط وصناعة السياسات العامة، بينما تعاني الدول المتأخرة عندما يصبح القرار منفصلاً عن المعرفة، أو عندما تتحول (البيروقراطية) ، إلى حاجز يمنع أصحاب الإختصاص من تنفيذ الأفكار والمشاريع، التي يمكن أن تنقل البلد إلى مرحلة جديدة.
ولهذا فإن الحديث عن أن تكون الدولة «تحت إمرة العلماء» لا ينبغي فهمه باعتباره دعوة إلى إلغاء الدستور أو استبدال المؤسسات السياسية بحكم أكاديمي مغلق، وإنما المقصود هو شيء أكثر عمقاً: أن تكون الدولة في خدمة العلم، وأن تجعل مؤسساتها الطريق مفتوحاً أمام ” العلماء والخبراء” لتطوير البلاد، وألا تسمح للبيروقراطية أو المصالح الضيقة أو الحسابات السياسية، بأن تعرقل المعرفة حين تتحول إلى مشروع تنموي يخدم العراق.
من أهم الخطوات التي يمكن أن تؤسس لهذا التحول هو إنشاء [ مجلس وطني للعلم والعلماء والخبراء] ، يضم نخبة من المتخصصين في مختلف المجالات، لا على أساس الإنتماء السياسي، وإنما على أساس الكفاءة العلمية والمهنية والخبرة العملية. هذا المجلس يمكن أن يضم علماء ” الإقتصاد، والطب، والهندسة، والعلوم السياسية، والقانون، والطاقة، والزراعة، والمياه، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والإدارة، والبيئة، والتخطيط الاستراتيجي، والإعلام” وغيرها من الاختصاصات التي تحتاجها الدولة الحديثة لكي تنهض .
وظيفة هذا المجلس ليست أن يحل محل البرلمان أو الحكومة، وإنما أن يكون ( العقل الاستشاري والإستراتيجية للدولة؛ يدرس المشروعات الكبرى، ويقيم السياسات العامة، ويقدم البدائل العلمية، ويقيس النتائج، ويحذر من المخاطر قبل وقوعها، ويطور المؤسسات وينشأ مؤسسات تواكب التطور العالمي )… فإذا أرادت الدولة إنشاء مشروع إقتصادي ضخم، يجب أن تعرف جدواه الإقتصادية قبل إطلاقه. وإذا أرادت معالجة أزمة المياه، يجب أن يكون القرار مبنياً على دراسات الهيدرولوجيا والمناخ والزراعة والتكنولوجيا. وإذا أرادت إصلاح التعليم، فيجب أن يكون ذلك بالاستناد إلى علوم التربية وسوق العمل والإقتصاد المعرفي. وإذا أرادت بناء صناعة وطنية، فلا بد من ربط القرار بالهندسة والإقتصاد والطاقة وسلاسل الإمداد.
هنا يتحول العالم والمهندس والطبيب والإقتصادي والمختص من مجرد موظف داخل مؤسسة، إلى ” شريك” حقيقي في صناعة مستقبل الدولة. الدولة لا يمكن أن تُدار بالخبراء وحدهم، كما لا يمكن أن تُدار بالسياسيين وحدهم. السياسة تحدد الأولويات الوطنية، وتضع الرؤية العامة، وتمثل المجتمع، وتتحمل المسؤولية الدستورية، لكن العلم هو الذي ينبغي أن يحدد أفضل الوسائل لتحقيق تلك الأولويات.
فالسياسي يستطيع أن يقول: نريد إنهاء أزمة الكهرباء، لكن السؤال: كيف؟، هنا تبدأ مهمة العلماء والمهندسين والاقتصاديين… والسياسي يستطيع أن يقول: نريد اقتصاداً منتجاً، لكن ما القطاعات التي ينبغي الإستثمار فيها؟ ،وما حجم الإنفاق؟، وما النموذج الصناعي المناسب؟، وما فرص العمل التي يمكن خلقها؟
هنا يأتي دور الخبراء. ولهذا فإن الدولة الناجحة هي التي تحقق التكامل بين الشرعية السياسية والكفاءة العلمية، وليس الصراع بينهما. أن المشكلة في العراق ليست في غياب العلماء، بل في غياب القرار العلمي، العراق لا يعاني من نقص في العقول.
فهناك آلاف العلماء والأطباء والمهندسين والاقتصاديين والمبرمجين والباحثين والخبراء، داخل العراق وخارجه، المشكلة الحقيقية هي أن( الدولة قد تمتلك الكفاءة، لكنها لا تمتلك دائماً الآلية التي تحول هذه الكفاءة إلى قرار وسياسة ومشروع ونتيجة) .
وهنا يجب أن تتغير فلسفة الإدارة العامة.ليس المطلوب أن يأتي العالم بفكرة ثم يصطدم بعشرات الحلقات البيروقراطية التي تقتل المشروع قبل أن يبدأ، وليس من المنطقي أن يحتاج صاحب الإختصاص إلى موافقات سياسية وإدارية طويلة لتنفيذ مشروع تقني أو علمي واضح الجدوى. الدولة التي تريد النهوض يجب أن تسأل أولاً: هل المشروع علمياً صحيح؟ ، هل هو اقتصادياً مجدٍ؟، هل يمكن تنفيذه؟ ، وما نتائجه؟. ثم يأتي السؤال السياسي والإداري بعد ذلك. نعم العراق يمتلك ثروة نفطية ضخمة، لكن النفط وحده لا يستطيع أن يصنع دولة متقدمة إلى الأبد، الثروة الحقيقية المستدامة هي تطوير واستثمار الإنسان. عندما يصبح العقل العراقي قادراً على إنتاج التكنولوجيا، وتطوير الزراعة، وإدارة المياه، وتصنيع الدواء، وتطوير الطاقة، وبناء البرمجيات، وإنتاج المعدات، وتحليل البيانات، وإنشاء الصناعات المتقدمة، فإن العراق ينتقل من دولة تستهلك التكنولوجيا إلى دولة تنتج المعرفة وتصدرها. وهنا يصبح الإستثمار في (العلماء) ليس إنفاقاً على قطاع محدود، بل استثماراً في الأمن القومي والإقتصاد والسيادة الوطنية. فالدولة التي تعتمد في تقنياتها الأساسية على الآخرين تبقى بحاجة إليهم، أما الدولة التي تنتج علمها وتقنيتها فتملك جزءاً أكبر من استقلال قرارها.
لكي ينجح هذا النموذج، يجب حماية المؤسسة العلمية من التسييس… لا ينبغي أن يكون معيار اختيار العالم أو الخبير هو “” الحزب”” الذي ينتمي إليه، ولا الكتلة التي تدعمه، ولا موقعه الإجتماعي، وإنما الكفاءة والإنجاز والنزاهة العلمية. العلم لا يعرف المحاصصة، و المختبر لا يعرف الطائفية، و المعادلة الرياضية لا تعرف الحزب، والدواء لا يسأل المريض عن انتمائه السياسي. ولهذا يجب أن تتحول الكفاءة إلى معيار أساسي في إدارة الدولة، وأن يصبح التقييم قائماً على النتائج والمؤشرات والأداء.
المقصود هنا بأن تكون الدولة «تحت إمرة العلماء» هو أن تكون الدولة خادمة للمعرفة لا معادية لها، وحاضنة للابتكار لا عائقاً أمامه، ومشجعة للخبير الحقيقي لا مهمشة له.و أن يكون للعلماء حق الوصول إلى صانع القرار،و أن تكون توصياتهم موثقة ومدروسة،و أن تخضع المشاريع الكبرى للتقييم العلمي،و أن تكون هناك حماية قانونية للمشروعات البحثية والإستراتيجية، وأن تمتلك الدولة القدرة على تحويل البحث العلمي من أوراق ودراسات إلى صناعات ومشاريع وسياسات، هذه هي النقلة الحقيقية. فالعراق لا يحتاج فقط إلى وزارة أو هيئة جديدة، وإنما يحتاج إلى فلسفة جديدة في إدارة الدولة: فلسفة تقول إن المعرفة ليست ترفاً، وإن العالم ليس موظفاً هامشياً، وإن الجامعة ليست مؤسسة منفصلة عن الدولة، وإن البحث العلمي ليس نشاطاً أكاديمياً معزولاً، بل جزء من الأمن الإقتصادي والاستراتيجي للبلاد.
اليوم العراق الذي نريد بناءه ليس دولة يحكمها العلماء بدلاً من الشعب، وليس دولة يلغي فيها الخبراء دور المؤسسات الدستورية، وإنما دولة يحكمها الدستور، وتديرها المؤسسات، ويوجهها العلم، ويقودها الأكفاء. نريد دولة إذا ظهر فيها عالم يمتلك فكرة قادرة على حل مشكلة وطنية، أن (تفتح له أبوابها بدلاً من أن تغلقها)، نريد دولة إذا قدم المهندس مشروعاً قادراً على تطوير البنية التحتية، أن يحصل على فرصة لتنفيذه بعد إخضاعه للتقييم العلمي. نريد دولة إذا اكتشف الطبيب طريقة أفضل للعلاج، أن يجد مؤسسة تستثمر اكتشافه.
نريد دولة إذا قدم الإقتصادي نموذجاً إصلاحياً، أن يناقش بالأرقام لا بالشعارات. ونريد دولة إذا قدم المبرمج أو الباحث مشروعاً تقنياً قادراً على تطوير الإدارة أو حماية الأمن السيبراني، أن يجد التمويل والدعم والمؤسسات التي تحول فكرته إلى واقع. عندها فقط يصبح شعار «من يمتلك العلم يمتلك القوة» مشروعاً وطنياً وليس مجرد عبارة.
إن نهضة العراق لن تبدأ فقط من النفط، ولا من السياسة، ولا من تبديل الحكومات، وإنما تبدأ عندما يدرك العراق أن أعظم ثروة يمتلكها ليست ما تحت الأرض، بل ما في (عقول أبنائه). وحين تصبح الدولة قادرة على جمع هذه العقول، وتنظيمها، وتمويلها، والاستماع إليها، ومنحها الحرية والمساحة للعمل، فإن العراق لا يبني مؤسسات أفضل فحسب، بل يبني قوة وطنية جديدة أساسها المعرفة.
وعندها يموت الجهل، وتتراجع العشوائية، وتضعف الصراعات التي يغذيها غياب العلم المعرفة، ويصبح القرار العام أقرب إلى العقلانية، ويبدأ العراق بالانتقال من دولة تملك الإمكانات إلى دولة تعرف كيف تحول إمكاناتها إلى قوة وتقدم وازدهار. فالمستقبل لن يكون لمن يملك الثروة وحدها، وإنما لمن يعرف كيف يحول المعرفة إلى قوة، والقوة إلى تنمية، والتنمية إلى دولة.




