الدود الحضاري لإحياء مناسبات أهل البيت (2) من إحياء الذكرى إلى تعظيم القيم..!
محمد عبد الجبار الشبوط ||

انتهينا في المقال السابق إلى أن قانون تعظيم القيم وتقليل الهدر يمكن أن يقدم لنا معيارًا حضاريًا للنظر في مختلف أفعال الإنسان والمجتمع، بما فيها الأفعال الدينية والشعائرية.
ولم يكن المقصود إخضاع الشعائر لحساب مادي أو نفعي، ولا الانتقاص من قيمتها الروحية والعاطفية، وإنما الانطلاق من حقيقة أن كل فعل إنساني كبير يحرك الزمن والمال والجهد والمشاعر والعلاقات الاجتماعية يحمل في داخله إمكانية لإنتاج قيم تتجاوز لحظة وقوعه وتبقى آثارها في حياة الإنسان والمجتمع. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن أن نعيد النظر في معنى إحياء مناسبات أهل البيت، لا لكي نقلل من حضورها، وإنما لكي نعظم مردودها الحضاري.
فإحياء الذكرى في ذاته فعل إنساني مهم. الإنسان كائن يمتلك ذاكرة، والمجتمعات لا تعيش بالحاضر وحده، وإنما تبني هويتها من خلال العلاقة المستمرة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهي تستعيد الشخصيات والأحداث الكبرى لأنها ترى فيها جزءًا من تعريفها لنفسها ومن منظومة المعاني التي تمنح وجودها التاريخي استمرارية واتجاهًا.
ولهذا فإن الاحتفال بولادة شخصية عظيمة، أو الحزن في ذكرى وفاتها أو استشهادها، أو زيارة المكان المرتبط بها، أو رواية سيرتها، ليست أفعالًا بلا معنى؛ إنها وسائل لحفظ الذاكرة الجماعية، وتجديد الانتماء، وربط الأجيال الجديدة بمصادر الهوية والمعنى.
ومن هنا فإن إحياء مناسبات أهل البيت يؤدي وظيفة مهمة في حفظ الصلة التاريخية والوجدانية بهم. فعندما تمر القرون ولا تزال أسماء علي والحسن والحسين والسجاد والباقر والصادق وسائر الأئمة حاضرة في وجدان ملايين البشر، فإننا نكون أمام قوة استثنائية للذاكرة الدينية. وقد استطاعت المجالس والزيارات والمواكب والشعر والخطابة والطقوس المختلفة أن تنقل هذه الذاكرة عبر أجيال متعاقبة، وأن تجعل أحداثًا وقعت قبل أكثر من ألف عام حاضرة في وجدان الإنسان المعاصر بدرجة قد تفوق حضور أحداث لم يمض عليها سوى عقود قليلة.
لكن الذاكرة ليست غاية نهائية في ذاتها. فالشخصيات العظيمة لا تكتسب أهميتها التاريخية لمجرد أنها عاشت في الماضي، وإنما لما مثلته من أفكار وقيم ومواقف وما أحدثته من أثر في حياة الناس. ونحن حين نستذكر أهل البيت لا نستذكر أسماء مجردة ولا تواريخ ولادة ووفاة فحسب، وإنما نستذكر أشخاصًا ارتبط حضورهم في الوعي الإسلامي بالعدل والعلم والتقوى والشجاعة والصبر والإصلاح والتضحية والكرامة والرحمة والحكمة ومقاومة الظلم. وإذا فصلنا الشخص عن القيم التي جسدها، فإننا نكون قد احتفظنا بصورة من التاريخ وأضعفنا قدرته على العمل في الحاضر.
ومن هنا أقترح الانتقال في فهم مناسبات أهل البيت من إحياء الذكرى إلى تعظيم القيم. ولا تعني كلمة «من» هنا مغادرة إحياء الذكرى أو استبداله بشيء آخر؛ فإحياء الذكرى يبقى قائمًا بما يحمله من قيمة دينية وروحية ووجدانية وتاريخية. المقصود أن ننتقل بالذكرى نفسها إلى مستوى أوسع، بحيث تصبح المناسبة، إلى جانب وظائفها المعروفة، موسمًا اجتماعيًا لتعظيم القيم التي جسدها صاحب المناسبة.
وهذا التحول مهم لأن هناك فارقًا بين أن نتذكر القيمة وبين أن نعظمها. قد نتحدث في مجلس عن عدالة الإمام علي، ونروي القصص التي تدل عليها، ثم تنتهي المناسبة من دون أن يتغير شيء في موقفنا العملي من الظلم والفساد والمال العام.
وقد نتحدث طويلًا عن علم الإمام الصادق، ونستعيد مناظراته وتلامذته، ثم لا تترك المناسبة أثرًا ملموسًا في علاقتنا بالعلم والتعليم والبحث والكتاب.
وقد نستعيد الجانب الروحي العميق في حياة الإمام السجاد، ونقرأ أدعيته، ثم لا تتحول المناسبة إلى فرصة لمراجعة النفس والسلوك وعلاقة الإنسان بالله وبالناس. في هذه الحالات تكون القيمة حاضرة في الخطاب، لكنها لم تتحول بعد إلى قوة فاعلة في الحياة.
أما تعظيم القيمة فيعني شيئًا أكثر من الحديث عنها. إنه يعني زيادة حضورها الفعلي في الإنسان والمجتمع. فإذا كانت المناسبة مرتبطة بالعلم، فإن نجاحها الحضاري يظهر في مقدار ما تضيفه إلى احترام العلم وطلب المعرفة ودعم التعليم والبحث. وإذا كانت مرتبطة بالعدالة، فإن مردودها يظهر في زيادة حساسية الناس تجاه الظلم والفساد والتمييز. وإذا كانت مرتبطة بالتكافل، فإن أثرها يظهر في زيادة القدرة على مساعدة المحتاجين. وإذا كانت مرتبطة بالإصلاح، فإن قيمتها تتجلى في تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه إصلاح المجتمع والدولة. وبذلك تصبح المناسبة جسرًا يصل الماضي بالحاضر، وتتحول الشخصية التاريخية من موضوع للاستذكار إلى مصدر دائم لإنتاج القيمة.
ولا يعني هذا اختزال كل إمام في قيمة واحدة. فأهل البيت، مثل سائر الشخصيات الإنسانية الكبرى، يمثل كل واحد منهم منظومة واسعة من القيم، وقد تتداخل القيم بينهم جميعًا. فالعلم ليس خاصًا بالإمام الصادق، والعدالة ليست غائبة عن الحسين، والروحانية ليست حكرًا على الإمام السجاد، والشجاعة ليست مقصورة على الإمام علي. لكن الظروف التاريخية التي عاشها كل إمام جعلت بعض القيم أكثر بروزًا في تجربته وفي الصورة التي حفظتها الذاكرة عنه. ومن الممكن، لذلك، أن نحدد لكل مناسبة قيمة حضارية محورية، من دون أن ندعي أنها تختصر شخصية الإمام أو تستنفد دلالتها.
وهنا يمكن أن يحدث تطور مهم في ثقافة إحياء المناسبات. فبدل أن يكون التقويم الديني مجرد سلسلة من أيام الولادة والوفاة والاستشهاد، يمكن أن يصبح في الوقت نفسه تقويمًا سنويًا لتعظيم القيم. وحين تأتي ذكرى الإمام الصادق، يصبح لدينا موسم للعلم والمعرفة؛ وحين تأتي ذكرى الإمام السجاد، يصبح لدينا موسم للبناء الروحي والأخلاقي؛
وحين تأتي ذكرى الإمام علي، تصبح العدالة والنزاهة والمسؤولية في الحكم في قلب الاهتمام؛ وحين تأتي عاشوراء والأربعين، يصبح الإصلاح والتضحية من أجل المصلحة العامة ومقاومة الظلم والانحراف قيمًا يجري تعظيمها في وعي المجتمع وسلوكه؛ وحين يأتي الغدير، تصبح ولاية القيم ومعنى السلطة العادلة والمسؤولة موضوعًا للتفكير العام.
وعندئذ يمكن للمناسبة أن تتجاوز حدود المجلس والخطبة والموكب، من دون أن تلغي أيًا منها. فإذا جعلنا العلم محورًا في مناسبة الإمام الصادق، فلماذا لا ترافق المجالس مبادرات لتشجيع القراءة، وتكريم العلماء والباحثين، ومساعدة الطلبة، ودعم المكتبات، ونشر الثقافة العلمية؟ وإذا جعلنا البناء الروحي محورًا في مناسبة الإمام السجاد، فلماذا لا تتحول المناسبة إلى فرصة للتربية على الصدق والرحمة وضبط النفس والتسامح ومراجعة الذات؟ وإذا جعلنا العدالة محورًا في مناسبة الإمام علي، فلماذا لا تصبح المناسبة موسمًا للتثقيف بحقوق الناس وحرمة المال العام ومقاومة الفساد والتمييز؟ إننا لا نضيف إلى الإمام شيئًا من خارج سيرته، وإنما نحاول أن نجعل القيمة التي نحب الإمام بسبب تجسيده لها أكثر حضورًا في حياتنا.
وبذلك يمكن أن تتكامل الوظيفة العاطفية للشعيرة مع وظيفتها الحضارية بدل أن تتعارضا. فالعاطفة ليست نقيضًا للعقل، والحب ليس نقيضًا للفعل. بل إن المشاعر من أعظم القوى المحركة للإنسان، والمشكلة ليست في قوة العاطفة وإنما في الوجهة التي تتخذها بعد استثارتها. وحين يحب الإنسان شخصية ما حبًا عميقًا يصبح أكثر استعدادًا للاقتداء بها، وهنا تكمن فرصة حضارية كبيرة: أن تتحول المحبة إلى قوة لتعظيم القيم التي من أجلها أحب الناس هذه الشخصية أصلًا.
وهذا الأمر مهم بصورة خاصة في المجتمع الشيعي، لأن مناسبات أهل البيت قادرة على تعبئة طاقات اجتماعية هائلة. ملايين البشر يستجيبون لنداء المناسبة، وآلاف المؤسسات والمواكب والمجالس تعمل، وأموال كبيرة تنفق، وساعات وأيام من الزمن تخصص، وشبكات واسعة من التطوع والتعاون تتشكل. ومن منظور قانون تعظيم القيم وتقليل الهدر، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون كيف نقلل هذه الطاقة، وإنما كيف نضاعف مردودها الحضاري. فإذا استطعنا أن نضيف إلى الوظيفة الروحية والعاطفية والتاريخية للمناسبة وظيفةً معرفية أو أخلاقية أو اجتماعية أو إصلاحية مستدامة، فإن الطاقة نفسها ستنتج مقدارًا أكبر من القيمة.
ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك فنقول إن الوفاء الحقيقي للشخصيات التاريخية الكبرى لا يتحقق فقط بحفظ أسمائها، وإنما بحفظ القيم التي أعطت تلك الأسماء معناها. فما معنى أن يبقى اسم العادل حاضرًا بينما تضعف قيمة العدالة؟ وما معنى أن تتسع الاحتفالات بالعالم بينما يتراجع العلم؟ وما معنى أن تتعاظم ذكرى المصلح بينما يصبح المجتمع أكثر تسامحًا مع الفساد والانحراف؟ إن قوة الذكرى ينبغي أن تكون قوة للقيمة، وإلا نشأت مفارقة بين مقدار حضور الشخصية في الوجدان ومقدار حضور قيمها في الواقع.
ومن هنا لا أدعو إلى شعائر أقل، ولا إلى عاطفة أقل، ولا إلى حضور أقل لأهل البيت في حياة الناس. إنما أدعو إلى مردود حضاري أكبر لكل ذلك؛ بحيث يصبح حب أهل البيت قوة إضافية لبناء الإنسان، وتصبح ذكرياتهم مواسم لتجديد منظومة القيم، وتصبح الطاقة الاجتماعية التي تولدها مناسباتهم جزءًا من حركة المجتمع نحو الحياة الطيبة.
وإذا أخذنا بهذا التصور، فستكون الخطوة التالية هي رسم خريطة أكثر تحديدًا: ما القيمة أو مجموعة القيم الأكثر بروزًا في تجربة كل إمام؟ وكيف يمكن تحويل مناسبات أهل البيت مجتمعة إلى روزنامة سنوية لتعظيم العلم والعدل والروحانية والإصلاح والصبر والحوار والمسؤولية وغيرها من القيم؟
وهذا ما سنحاول بحثه في المقال التالي: لكل إمام قيمة: خريطة حضارية لمناسبات أهل البيت.




