تداعيات التصعيد الإقليمي على السيادة العراقية وقدرة الدولة على ضبط المجال الوطني..!
عباس خالد ||

لم يعد العراق ينظر إلى الصراعات الإقليمية بوصفها أزمات تجري خارج حدوده ويمكن الاكتفاء بمراقبة تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية، بل بات يجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً؛ إذ إن موقعه الجغرافي، وتركيبته السياسية والأمنية، وعلاقاته المتشابكة مع القوىالإقليمية والدولية، تجعله من أكثر الدول عرضةً للانتقال من حالة التأثر بالصراع إلى حالة الانخراط غير المباشر في ساحته.
وتزداد خطورة هذا التحول عندما تتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، أو عندما تتوسع دائرة الردود المتبادلة لتشمل مواقع أو مصالح مرتبطة بأطراف الصراع داخل الأراضي العراقية. ففي هذه الحالة لا تعود المسألة مرتبطة فقط بمدى قدرة الحكومة العراقية على إصدار مواقف الإدانة أو المطالبة باحترام السيادة، وإنما تصبح مرتبطة بجوهر مفهوم الدولة نفسه، من يمتلك قرار الحرب والسلم؟ ومن يملك القدرة الفعلية على التحكم بالمجال الجغرافي العراقي؟ ومن يستطيع منع استخدام الأراضي العراقية منصةً للصراع؟
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام بغداد لا يتمثل في حماية الحدود الدولية للعراق فقط وإنما في حماية السيادة الوظيفية للدولة؛ أي قدرتها على اتخاذ القرار المستقل، وفرض القانون،وضبط استخدام القوة وإدارةعلاقاتها الخارجية دون أن تتحول أراضيها إلى مساحةلتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.
أولاً: السيادة العراقية بين المفهوم القانوني والواقع الفعلي
من الناحية القانونية والدستورية، يمتلك العراق دولةً ذات سيادة، وحدوداً معترفاً بها، ومؤسسات عسكريةوأمنية وحكومةً مسؤولة عن حماية أراضيه ومصالحه الوطنية.
غير أن السيادة في البيئة الإقليمية المضطربة لا تُقاس فقط بوجود النصوص الدستورية أو الاعتراف الدولي، وإنما تقاس أيضاً بقدرة الدولة على ممارسة سلطتها فعلياً.
وهنا يظهر الفارق بين السيادة
القانونية والسيادة الفعلية.
فالدولة تكون ذات سيادة قانونية عندما تكون أراضيها معترفاً بها دولياً، بينما تصبح السيادة فعلية عندما تكون السلطة المركزية قادرة على التحكم في المجال الجغرافي وضبط حركة السلاح وتحديد الجهات المخولة باستخدام القوة ومنع أي طرف خارجي أو داخلي من تحويل أراضيها إلى منصة لتنفيذ أجندة عسكرية لا تنسجم مع قرار الدولة.
وبالتالي فإن أي تصعيد إقليمي يسمح لأطراف متعددة باستخدام الأراضي العراقية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يضع السيادة العراقية أمام اختبار حقيقي؛ لأن المشكلة لا تعود في الاعتداء الخارجي وحده، بل في قدرة الدولة على منع الظروف التي تجعل أراضيها جزءاً من معادلة الصراع.
ثانياً: لماذا يُعد العراق بيئة شديدة الحساسية تجاه التصعيد الإيراني الأمريكي؟
تكمن خصوصية العراق في أنه ليس دولة محايدة جغرافياً وسياسياً بالمعنى التقليدي، بل يقع في قلب شبكة معقدة من العلاقات.
فمن جهة، ترتبط بغداد بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ومن جهة أخرى تربطها علاقات تاريخية وعقائدية وجغرافية واقتصادية وأمنية وثيقة ومتجذرة مع إلجمهورية الاسلامية .
وفي الوقت ذاته، يمتلك العراق منظومة أمنية وعسكرية رسمية، إلى جانب وجود فصائل وقوى سياسية واجتماعية ذات مواقف مختلفة من الصراع الإقليمي.
هذه المعادلة تجعل العراق عرضة لما يمكن تسميته ضغط الاستقطاب المزدوج؛ إذ قد تجد الحكومة نفسها مطالبة بالموازنة بين علاقاتها الدولية، ومصالحها الوطنية، وضغوط البيئة السياسية الداخلية، ومقتضيات الأمن الوطني.
وتزداد حساسية الموقف عندما تتحول المواجهة من مرحلة الردع السياسي والعسكري غير المباشر إلى مرحلة الضربات المباشرة والمتبادلة، لأن هامش المناورة أمام بغداد يصبح أضيق، وتزداد احتمالات انتقال الصراع إلى الأراضي العراقية.
ثالثاً: من الامتداد الإقليمي إلى الساحة العراقية.
المؤشر الأكثر خطورة ليس مجرد وقوع استهداف داخل العراق، وإنما احتمال نشوء نمط متكرر من التعامل مع الأراضي العراقية باعتبارها جزءاً من المسرح العملياتي للصراع الإقليمي.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاث حالات:
الحالة الأولى: العراق دولة متأثرة بالصراع.
وفيها تقع الأحداث خارج العراق، لكن تداعياتها تصل إليه عبر ارتفاع أسعار الطاقة، أو اضطراب التجارة، أو الضغوط السياسية، أو التوتر الأمني.
الحالة الثانية: العراق دولة متلقية لارتدادات الصراع.
وفيها تنتقل بعض التداعيات الأمنية إلى الداخل العراقي، دون أن يصبح العراق بالضرورة طرفاً مباشراً في العمليات.
الحالة الثالثة: العراق جزء من ساحة الصراع.
وهي الحالة الأكثر خطورة، عندما تصبح مواقع داخل الأراضي العراقية أو أجواؤه أو مياهه أو منشآته الحيوية جزءاً من الحسابات العسكرية للأطراف المتصارعة.
والانتقال من الحالة الأولى إلى الثالثة لا يحدث بالضرورة بقرار عراقي، بل قد يحدث تدريجياً نتيجة تراكم الأحداث وردود الأفعال، بحيث يجد العراق نفسه في نهاية المطاف أمام واقع أمني جديد لم يختره.
رابعاً: أخطر ما يهدد السيادة ليس الضربة وحدها.
قد تكون الضربة العسكرية على موقع عراقي أو داخل الأراضي العراقية حدثاً بالغ الخطورة، لكنها ليست بالضرورة المؤشر الوحيد على تراجع السيادة.
الأخطر استراتيجياً هو تحول الاستثناء إلى قاعدة.
فإذا أصبحت الضربات أو التهديدات أو عمليات الرد المتبادل أمراً متكرراً، فإن ذلك قد يؤدي تدريجياً إلى إعادة تعريف البيئة الأمنية العراقية وفق قواعد يفرضها الصراع الخارجي.
وفي هذه الحالة قد تنتقل الدولة من موقع الفاعل الذي يحدد قواعد الاشتباك داخل أراضيه إلى موقع الطرف الذي يتعامل مع نتائج قواعد اشتباك يحددها الآخرون.
وهذا يمثل جوهر الخطر الاستراتيجي.
فالسيادة لا تُفقد دائماً بحدث واحد؛ وإنما يمكن أن تتآكل تدريجياً من خلال تراجع قدرة الدولة على فرض قواعدها، وتعدد مراكز القرار، وتكرار الاختراقات، وعجز المؤسسات عن منع تكرارها.
خامساً: تعدد مراكز القوة واختبار القرار الوطني.
من أبرز التحديات أمام الدولة العراقية وجود تداخل بين المجال السياسي والمجال الأمني والإقليمي.
فكلما تعددت الجهات التي تمتلك القدرة على التأثير في القرار الأمني أو استخدام القوة، أصبحت مهمة الحكومة المركزية أكثر تعقيداً.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بالسؤال عن شرعية وجود هذه الجهة أو تلك، وإنما بالسؤال الأكثر جوهرية.
هل يوجد قرار وطني واحد يتعلق باستخدام القوة داخل الأراضي العراقية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الدولة تستطيع بناء سياسة ردع واضحة، والتفاوض مع الأطراف الدولية وإدارة التصعيد.
أما إذا كانت الإجابة غير حاسمة، فإن البيئة العراقية تصبح أكثر عرضة لسوء التقدير، لأن الطرف الخارجي قد لا يتعامل مع جميع القوى الموجودة داخل العراق باعتبارها جزءاً من قرار الدولة، وقد تنظر بعض الأطراف إلى العراق باعتباره مساحة متعددة مراكز القرار.
وهنا تتحول مشكلة تعدد مراكز القوة من مسألة داخلية إلى عامل قابل للاستثمار في الصراع الإقليمي.
سادساً: معضلة بغداد بين منع استخدام الأراضي العراقية ومنع الاعتداء عليها
تواجه الحكومة العراقية معضلة استراتيجية مزدوجة.
فهي مطالبة، من جهة، بمنع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات تستهدف أطرافاً خارجية، لأن ذلك قد يجعل العراق طرفاً في الصراع.
وفي الوقت نفسه، هي مطالبة بمنع الأطراف الخارجية من استخدام القوة داخل الأراضي العراقية.
وبالتالي فإن الموقف الوطني الأكثر تماسكاً ينبغي ألا يقوم على قاعدة:
(نرفض الاعتداء على العراق فقط).
بل ينبغي أن يقوم على قاعدة متكاملة
(العراق يرفض أن تكون أراضيه منصة للاعتداء على الآخرين، ويرفض في الوقت ذاته أن تكون ساحة للاعتداء من الآخرين)
وهذه المعادلة هي التي تمنح الموقف العراقي قوته السياسية والقانونية والأخلاقية.
فالعراق عندما يمنع استخدام أراضيه ضد دولة أخرى، فإنه لا يقدم تنازلاً عن سيادته، بل يمارسها.
وبالمقابل، عندما يرفض استهداف أراضيه من أي طرف خارجي، فإنه يثبت أن احترام سيادته ليس مشروطاً بعلاقاته مع أي دولة.
سابعاً: التصعيد الإقليمي واختبار قدرة الدولة على الردع
الردع لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية.
فالردع الوطني يمكن أن يقوم على مجموعة متكاملة من الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية والأمنية.
وتتمثل قوة الردع العراقي في قدرته على جعل أي طرف يفكر ملياً قبل التعامل مع العراق باعتباره ساحةمفتوحة.
وهذا يتطلب بناء معادلة واضحة تقوم على وحدة القرارالسياسي ووحدة القرار الأمني وضبط المجال الجغرافي، والقدرة على حماية المنشآت الحيوية، ووضوح قواعد التعامل مع أي خرق للسيادة، وتفعيل الأدوات الدبلوماسية والدولية.
فكلما كانت الدولة أكثر وضوحاً في تعريف مصالحها وحدودها الحمراء، أصبح من الصعب على الأطراف الخارجية اختبارها.
ثامناً: العامل الأمريكي والإيراني لا ينبغي أن يحجب العامل العراقي
من الأخطاء المنهجية في قراءة المشهد العراقي اختزال المسألة في سؤال مع “إيران أم مع الولايات المتحدة؟”
هذا السؤال، رغم أهميته السياسية، لا يمثل جوهر المصلحة العراقية.
السؤال الأكثر أهمية هو
ما الذي يريده العراق من علاقته بكل طرف؟
فالمصلحة الوطنية لا تقتضي بالضرورة الدخول في محور ضد محور، وإنما تقتضي امتلاك القدرة على إدارة العلاقات الدولية وفق مصالح الدولة.
ومن هنا فإن السياسة العراقية الأكثر واقعية هي التي تنتقل من سياسة رد الفعل إلى سياسة إدارة المصالح.
العراق ليس مضطراً إلى تحويل علاقاته مع إيران إلى خصومة من أجل إثبات استقلاله، كما أنه ليس مضطراً إلى تحويل علاقاته مع الولايات المتحدة إلى عداء لإثبات وطنيته.
الاستقلال الحقيقي هو أن تكون العلاقة مع الطرفين محكومة بالمصلحة الوطنية العراقية، لا بحسابات الصراع بينهما.
تاسعاً: البعد الأمني الداخلي للتصعيد.
أي تصعيد إقليمي واسع ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الداخلي العراقي.
ومن أبرز المخاطر المحتملة:
١. ارتفاع مستوى الاستقطب
٢. السياسي والمجتمعي.
٣. تصاعد الخطاب الإعلامي والتحريضي المرتبط بالمحاور الإقليمية.
٤. زيادة احتمالات استهداف المصالح الأجنبية داخل العراق.
٥. تعرض المنشآت الحيوية والطاقة والمصالح الاقتصادية لمخاطر إضافية.
٦. ارتفاع مستوى التهديدات السيبرانية والحرب المعلوماتية.
٧. اتساع مساحة الشائعات والمعلومات المضللة.
٨. إمكانية استغلال حالة التوتر من قبل الجماعات المتطرفة أو الإجرامية.
٩. زيادة الضغوط الاقتصادية في حال تأثر حركة التجارة والطاقة والمنافذ الحدودية.
١٠. ارتفاع احتمالات الاحتكاك بين القوى السياسية والأمنية المختلفة.
١١. إمكانية انتقال التوتر الإقليمي إلى الشارع العراقي عبر الاستقطاب السياسي أو الاجتماعي.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الأمن الوطني الشامل؛ إذ إن حماية العراق في أوقات التصعيد لا تقتصر على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، بل تشمل الاقتصاد، والطاقة، والاتصالات، والإعلام، والأمن السيبراني، والمنافذ الحدودية، والأمن المجتمعي.
عاشراً: أخطر السيناريوهات التي يمكن أن يواجهها العراق
السيناريو الأول: الاحتواء.
يتمكن العراق من الحفاظ على أراضيه خارج دائرة المواجهة المباشرة، وتنجح الحكومة في التواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية، وتبقى تداعيات الصراع ضمن حدود يمكن إدارتها.
وهذا هو السيناريو الأفضل، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قوية وقرار سياسي موحد.
السيناريو الثاني: الاحتكاك المحدود.
تتعرض مواقع أو مصالح داخل العراق لعمليات محدودة ومتقطعة، دون تحولها إلى مواجهة واسعة.
هذا السيناريو قد يكون الأخطر من ناحية أخرى، لأنه يمكن أن يؤدي إلى تطبيع الخرق إذا لم تتمكن الدولة من تحويل كل حادثة إلى قاعدة سياسية وأمنية واضحة تمنع تكرارها.
السيناريو الثالث: تحول العراق إلى ساحة ردود متبادلة.
وهو السيناريو الأكثر خطورة، حيث تصبح الأراضي العراقية جزءاً من الحسابات العسكرية للأطراف المتصارعة.
وفي هذه الحالة تتراجع قدرة الحكومة على التحكم بمسار الأحداث، ويصبح الأمن الداخلي مرتبطاً مباشرة بمستوى التصعيد الخارجي.
السيناريو الرابع: التصعيد الشامل.
وهو انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي واسع، بحيث تتداخل ساحات متعددة، ويصبح العراق معرضاً لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية متزامنة.
وفي هذه الحالة لن تكون المشكلة في حماية موقع أو منشأة معينة، وإنما في حماية الدولة العراقية من الانجرار الكامل إلى حرب لا تخدم مصالحها الوطنية.
الحادي عشر: ماذا ينبغي أن تفعل بغداد؟
التعامل مع هذه المرحلة يحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المخاطر الاستراتيجية.
أولاً، يجب ترسيخ مبدأ أن قرار الحرب والسلم واستخدام القوة هو قرار الدولة ومؤسساتها الدستورية.
ثانياً، ينبغي بناء قناة سياسية وأمنية مستمرة مع جميع الأطراف المؤثرة، تقوم على إبلاغها بوضوح بأن العراق لا يقبل استخدام أراضيه ساحة للصراع.
ثالثاً، يجب تطوير منظومة حماية المنشآت الحيوية، ولا سيما الطاقة والمطارات والمنافذ والمنشآت الاقتصادية والاستراتيجية.
رابعاً، ينبغي رفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخبارية لمتابعة مؤشرات التصعيد قبل انتقالها إلى الأراضي العراقية.
خامساً، يجب التعامل مع الحرب الإعلامية والمعلوماتية بوصفها جزءاً من الصراع، وليس مجرد نشاط إعلامي.
سادساً، ينبغي إعداد مصفوفة وطنية للإنذار المبكر ترصد المؤشرات السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية والاقتصادية التي يمكن أن تدل على انتقال العراق من مرحلة التأثر بالصراع إلى مرحلة الانخراط فيه.
سابعاً، يجب أن يكون هناك تصور وطني واضح لإدارة الأزمات، يتضمن سيناريوهات متعددة للتصعيد، وآليات استجابة سياسية وأمنية واقتصادية لكل سيناريو.
الثاني عشر: نحو عقيدة عراقية للحياد الإيجابي
ربما يحتاج العراق في هذه المرحلة إلى تطوير مفهوم أكثر واقعية من «الحياد» التقليدي، يمكن تسميته الحياد الإيجابي أو الاستقلال الاستراتيجي.
فالحياد لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف في كل قضية، وإنما يعني أن العراق لا يسمح لأي طرف بتحويل أراضيه أو قراره الوطني إلى أداة في صراع الآخرين.
وفي المقابل، فإن العراق يحتفظ بحقه في بناء علاقاته الدولية وفق مصالحه.
وهذا المفهوم يمنح بغداد مساحة أوسع للمناورة، ويحولها من دولة تتلقى نتائج الصراع إلى دولة قادرة على التأثير في مساره.
الثالث عشر: الاستنتاج الاستراتيجي
إن السؤال الحقيقي الذي تفرضه المرحلة الحالية ليس ما إذا كان العراق يستطيع منع كل خرق لسيادته؛ فهذا هدف صعب في بيئة إقليمية مضطربة.
السؤال الأكثر واقعية هو:
هل يستطيع العراق منع الخروقات من التحول إلى نمط دائم، ومنع أراضيه من أن تصبح جزءاً ثابتاً من معادلة الصراع الإقليمي؟
وهنا تكمن المعركة الحقيقية على السيادة.
فالدولة لا تثبت سيادتها فقط عندما ترد على الاعتداء، وإنما عندما تمتلك القدرة على منع الأطراف المختلفة من اعتبار أرضها مساحة متاحة للصراع.
كما أن السيادة لا تعني الانعزال عن البيئة الإقليمية، بل تعني امتلاك القدرة على إدارة العلاقات مع هذه البيئة دون فقدان القرار الوطني.
ومن ثم، فإن استمرار التصعيد بين إيران والولايات المتحدة سيضع العراق أمام اختبار متزايد لقدرة مؤسساته السياسية والأمنية على الفصل بين العلاقات الخارجية والمصلحة الوطنية، وبين التحالفات السياسية وقرار الدولة، وبين التضامن الإقليمي وتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة عمليات.
الخلاصة.
العراق يقف أمام مفترق استراتيجي حساس: إما أن يبقى دولة تتلقى ارتدادات الصراعات المحيطة بها، أو أن يتحول تدريجياً إلى مساحة تستخدمها الأطراف المتصارعة في إدارة مواجهاتها.
والفارق بين الحالتين لا تحدده الجغرافيا وحدها، وإنما تحدده قوة الدولة، ووحدة قرارها، وقدرتها على ضبط المجال الوطني،ووضوح سياستها
الخارجية، وامتلاكها أدوات الردع والدبلوماسية والإنذار المبكر.
إن
حمايةالسيادة العراقية في المرحلة المقبلة لن تكون مهمة عسكرية فقط، ولا دبلوماسية فقط، بل ستكون مشروعاً متكاملاً لإعادة تثبيت مفهوم الدولة القادرة على اتخاذ القرار.
والقاعدة الاستراتيجية التي ينبغي أن تحكم الموقف العراقي هي:
لا ينبغي للعراق أن يكون قاعدةً لضرب الآخرين، كما لا ينبغي أن يكون ساحةً لضرب العراق.
وبين هذين المبدأين تتحدد ملامح الاستقلال الاستراتيجي العراقي.
فإذا استطاعت بغداد أن تفرض هذه المعادلة على جميع الأطراف، فإن العراق يمكن أن يتحول من نقطة ضعف في الصراع الإقليمي إلى دولة تمتلك هامشاً مؤثراً في إدارة التوازنات الإقليمية.
أما إذا استمر تعدد مراكز القرار، وبقيت الاستجابة للأزمات محكومة بردود الفعل، فإن الخطر لن يكون في حادثة أمنية منفردة، بل في تحول العراق تدريجياً من دولة مجاورة للحرب إلى جزء من ساحتها.




