أسرار البيوت الأرستقراطية… ومقالي إلى إخوتي..!
ناجي علي أمهز ||

لم أكن أظن أن رسالةً كتبتها إلى إخوتي ستغادر باب البيت، لتدخل بيوتاً أخرى لم أعرفها، وتجتاز أسوار القصور كما تجتاز أبواب الأكواخ، ثم تتحول إلى دمعةٍ في عين شيخ، وحنينٍ في قلب امرأة، وندمٍ في صدر أخٍ فرّقته الأيام عن أخيه.
منذ أن نشرت تلك الرسالة، لم يتوقف الهاتف عن الرنين. عشرات الاتصالات، وعشرات الرسائل الصوتية، ومئات الكلمات التي لم تكن تعلّق على مقال، بل كانت تعترف بسرٍ قديم دفنه الناس في أعماقهم.
بعضهم بكى.
وبعضهم شكرني كما لو أنني أعدت إليه شخصاً مات منذ سنوات.
وبعضهم قال لي: أكمل القصة… لأنها قصتنا جميعاً.
وأصدقهم جميعاً.
لأنني عشت زمناً طويلاً قريباً من طبقات المجتمع كلها، وعرفت الفقراء الذين ينامون على وسائد الحجارة، كما عرفت أصحاب القصور الذين ينامون فوق أكوام الذهب، ولا يزور النوم عيونهم.
وهناك، خلف الأبواب الثقيلة، اكتشفت أن الأرستقراطية ليست دائماً كما يراها الناس.
فالناس ينظرون إلى القصور، ولا يرون الغرف المغلقة.
ينظرون إلى الموائد العامرة، ولا يسمعون الصمت الذي يجلس عليها.
يرون الثروة، ولا يرون الوحدة التي تأكل أصحابها كما تأكل النار خشباً يابساً.
كم من رجل صنع مجده بعرق جبينه، وبنى إمبراطورية من التعب والانضباط، ثم انتهى به العمر وحيداً، يجلس أمام شاشة تلفاز لا تحدثه، ينتظر رنين هاتف لا يأتي، أو خطوات حفيد صغير يركض نحوه، فيشعر، للحظة واحدة، أن الحياة لم تغادر بيته بعد.
أما الأبناء، فلكل واحدٍ منهم عالمه.
هذا في شركته.
وذاك في سفره.
وثالث في اجتماعاته.
ورابع تحاصره حياته الخاصة.
حتى يصبح الأخ غريباً عن أخيه، لا لأن القلوب تغيرت، بل لأن الزمن حين يتزوج المال، كثيراً ما ينجب الإهمال.
والإهمال، يتحول جفاءً. والجفاء، إذا استقر، قتل القرابة من غير أن يريق قطرة دم.
لهذا لم أكتب رسالتي إلى إخوتي لأروي قصة عائلتنا وحدها.
بل كتبتها لكل يتيمٍ خرج من حرب، ولكل أخٍ فقد أخاه وهو ما يزال حياً، ولكل أختٍ تنتظر كلمة حنانٍ أكثر مما تنتظر ميراثاً، ولكل إنسانٍ ظن أن الزمن قادر على أن يعوضه عن عائلته.
كنت أريد أن أضع يدي في أيديهم، وأن أهمس لهم بأن الإنسان يستطيع أن يخسر المال ويستعيده، وأن يخسر الصحة ويقاوم مرضه، لكنه إذا خسر عائلته، خسر جزءاً من نفسه لا يعوضه شيء.
لقد علمتني الحياة أن أكبر كذبة في هذا الشرق هي أن المال يصنع المجد.
إنه يصنع البيوت، لكنه لا يصنع الأسرة.
يصنع الولائم، لكنه لا يصنع المحبة.
يصنع الصور، لكنه لا يصنع الذكريات.
وفي لبنان، كما في أوطان كثيرة أنهكها الفساد، يعيش الفقراء وهم يطاردون أوهاماً يصنعها لهم تجار السياسة. يقنعونهم أن قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يكون؛ وأن المجد صورة في مقهى فاخر، أو مائدة مترفة، أو سيارة يلتقط الناس أمامها الصور.
وهكذا يضيع الإنسان وهو يلاحق ظله.
أما الحقيقة، فهي أن الفقراء هم أكثر الناس شبهاً بالأرض.
الأرض لا تأكل ما تنتجه.
والفقير، في أغلب الأحيان، يتعب ليعيش غيره.
كم من رغيف خرج من يد فقير ليشبع مدينة.
وكم من عاملٍ أفنى عمره ليبني قصراً لن يسكنه.
وكم من أمٍ فقيرة حرمت نفسها لتصنع مستقبلاً لأولادها.
لهذا لم يكن الفقر، في جوهره، عيباً.
العيب أن يتحول الإنسان إلى حجر، سواء حمل في جيبه ذهباً أم في معدته جوعاً.
أنا لا أتهم الأغنياء جميعاً.
ففيهم أهل فضل ونبل وكرم، كما في الفقراء من يحمل الحقد والشر والكره.
لكن المال، إذا لم تهذبه الثقافة، ولم تؤنسه الرحمة، ولم تضبطه الأخلاق، يصبح سيداً على صاحبه لا خادماً له.
يمنح صاحبه شعوراً بالاكتفاء، والاكتفاء يولد الإهمال، والإهمال يصنع الجفاء، والجفاء يهدم الجسور التي احتاج الإنسان آلاف السنين ليبنيها بين قلبٍ وقلب.
ولعل أعظم ما قيل عن الفقراء قاله السيد المسيح: “طوبى للفقراء.”
لم يقلها لأن الفقر منزلة اجتماعية، ولا لأن الجوع فضيلة، بل لأنه رأى أن الإنسان حين لا يملك إلا قلبه ومحبته للاخرين، تصبح محبته ثروته.
فالفقير قد يعطيك ثوبه إذا طلبت منه إبرة.
أما الذي يملك خزائن الإبر، فقد يمنحك خطبة طويلة عن قيمة الإبرة، ثم يعود ليغلق خزانته بإحكام.
وليس لأن الذهب شر. بل لأن القلب، إذا عبد الذهب، فقد حريته.
ومع ذلك، فإن الفقر نفسه قد يصبح كارثة إذا تُرك بلا عدالة.
فالجوع الذي لا يجد رحمة، يتحول إلى غضب. والغضب الذي لا يجد إنصافاً، يتحول إلى عنف.
وحين يرى اليتيم أمير حرب يرفل بالثراء، بينما هو يحمل وجع اليتم الذي صنعته الحروب، فإن الكراهية تنبت في قلبه كما تنبت الأشواك في الأرض المهملة.
وهكذا تبدأ الأمم بالسقوط.
الأغنياء يقاتلون ليحافظوا على امتيازات يظنون أنها حق أبدي.
والفقراء يقاتلون ليستعيدوا شيئاً من كرامتهم.
وفي النهاية، لا ينتصر أحد.
فالمنتصر الحقيقي هو الشر وحده.
يجب ان لا تغيب العدالة، لان المساواة ستموت. وموت المساواة يقتل الانتماء، وبموت الانتماء يصبح الفقير غريباً في وطنه وبين اهله، ويصبح الغني سجيناً داخل قصره.
هنا المأساة التي لا تكتبها كتب الاقتصاد، ولا ترويها نشرات الأخبار.
إن مأساة الإنسان ليست في مقدار ما يملك، بل في مقدار من بقي حوله عندما تنطفئ الأضواء، ويهدأ التصفيق، ويغادر الجميع.
في تلك اللحظة فقط، لا يسأل الإنسان عن رصيده في المصرف.
بل يبحث بعينيه عن أخيه.




