الـعراق مـن حـكم الـعائلة إلـى حـكم الـعوائل..!
إياد الإمارة ||

لـم يكن العراق في تاريخه الحديث يعاني:
• من ندرة الثروات.
• ولا من ضيق الإمكانات البشرية.
العراق يعاني -في مراحل مختلفة- من أزمة في طبيعة السلطة وآليات إدارتها ..
الـمشكلة لم تكن في الأرض التي أنجبت العلماء والمفكرين والمصلحين وإنما في أنماط الحكم التي كثيراً ما قدّمت:
• الولاء على الكفاءة.
• والقوة على القانون.
• والمصلحة الخاصة على المصلحة الوطنية.
لـقد عاش العراقيون عقوداً طويلة تحت نظام احتكر الدولة واختزل الوطن في الحاكم والحزب في الدولة والمؤسسات في إرادة فرد واحد ..
كـانت السلطة في زمن الطاغية صدام وبعثه النتن تدور في فلك العائلة الواحدة حتى غدت الدولة بأجهزتها وثرواتها وأمنها رهينة لإرادة ضيقة لا تسمح بالاختلاف ولا تعترف بالتعددية ..
وماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة أن دفع العراق أثماناً باهظة من الحروب والعزلة والاستنزاف الداخلي حتى انهارت الدولة تحت وطأة الاستبداد قبل أن تنهار بفعل الغزو الأمريكي “الصليبي” الغاشم.
كـان العراقيون يأملون بعد ذلك التحول الكبير أن يدخل البلد مرحلة جديدة قوامها:
• دولة المؤسسات.
• وسيادة القانون.
• وتكافؤ الفرص.
• والتداول السلمي للسلطة.
• وأن يكون معيار التقدم هو الكفاءة والخبرة والنزاهة.
غـير أن الواقع كشف عن تعقيدات أعمق إذ لم يكن تغيير النظام السياسي كافياً لتغيير
(الثقافة السياسية)
التي تتحكم في إدارة الدولة!
لـقد برزت مع مرور الزمن أنماط جديدة من النفوذ السياسي والاجتماعي تقوم على:
• العصبية الضيقة.
• والمحاصصة.
• والزبائنية.
• وتقاسم المغانم.
حتى أصبح القرار العام في هذا البلد خاضعاً لشبكات المصالح أكثر من خضوعه لمقتضيات الدولة الحديثة!
وفـي مثل هذه البيئات تتراجع قيمة المؤسسات ويضعف حضور القانون وتتحول الوظيفة العامة من مسؤولية وطنية إلى وسيلة للنفوذ أو الامتياز ..
إن أخـطر ما يصيب أي دولة ليس مجرد الفساد المالي وإنما الفساد في منظومة
(التفكير السياسي)
حين تصبح:
• الدولة غنيمة.
• والمنصب مكسباً شخصياً.
• والكفاءة عنصراً ثانوياً أمام اعتبارات القرابة أو الولاء أو الانتماء الضيق.
عـندها لا يعود السؤال:
مَـن هو الأقدر على الإدارة؟
ويكون السؤال:
مَـن هو الأقرب إلى مراكز النفوذ؟
ولعل المأساة الكبرى أن المجتمع الذي يمتلك هذا الرصيد الحضاري الهائل يجد نفسه أحياناً أسيراً:
١- لخطابات انفعالية .
٢- لممارسات تفتقر إلى الرؤية الإستراتيجية ..
فتُـدار الملفات الكبرى بمنطق ردود الأفعال لا بمنهج التخطيط ويغيب التفكير المؤسسي لتحل محله الحسابات الآنية.
إن الدولة الحديثة لا تُـبنى:
• بالارتجال ..
ولا تستقيم:
• بالمزاج الشخصي ..
ولا تُـدار:
• بمنطق الثأر السياسي.
• أو الغلبة المؤقتة.
الـحكم ليس استعراضاً للقوة وإنما:
١- قدرة على بناء المؤسسات.
٢- صيانة الحقوق.
٣- إدارة الاختلاف.
٤- تحويل التنوع إلى مصدر قوة لا إلى سبب دائم للصراع.
الأخـطر من ذلك هو:
تراجع الثقافة المدنية وتقدم أنماط التفكير التي تحتفي بالولاءات الضيقة على حساب المواطنة ..
لأن المجتمع كله يدفع الثمن.
فلا يبقى القانون مرجعاً جامعاً ولا تصبح الدولة بيتاً لجميع أبنائها وإنما تتكاثر مراكز التأثير وتتوزع السلطة بين قوى متنافسة فيضعف القرار الوطني وتضطرب الأولويات.
لـقد أثبتت التجارب أن الاستبداد لا يرتبط بشكل واحد من أشكال الحكم ولا بشخص واحد أو عائلة واحدة فقد يتجلى في سلطة الفرد كما قد يتجلى في هيمنة شبكات المصالح التي تعطل المؤسسات وتفرغها من مضمونها. الاسـتبداد في كل صوره يفضي إلى النتيجة ذاتها:
• إضعاف الدولة.
• وإهدار الثروات.
• وإفقاد المواطن ثقته بالنظام السياسي.
الـعراق لا يحتاج إلى استبدال مركز نفوذ بآخر ولا إلى إعادة إنتاج الأزمات بأسماء جديدة وإنما يحتاج إلى انتقال حقيقي:
• من ثقافة السلطة إلى ثقافة الدولة.
• من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات.
• من شرعية القوة إلى قوة الشرعية.
• من الولاءات الضيقة إلى المواطنة الجامعة.
والأوطـان لا تنهض بكثرة الشعارات وإنما تنهض حين تصبح:
الكفاءة معياراً ..
والقانون مرجعا ..
والعدالة أساساً ..
والمحاسبة ثقافة لا استثناء ..
حـين يدرك الجميع أن الدولة ليست إرثاً خاصاً ولا غنيمة سياسية هي مسؤولية تاريخية أمام شعب يستحق أن يعيش في وطن يليق بتضحياته وحضارته.
سيـظل العراق بما يحمله من عمق حضاري وإنساني قادراً على تجاوز أزماته متى ما:
• انتصرت فيه الدولة على الأشخاص.
• والمؤسسات على الولاءات.
• والعقل على الانفعال.
• والإصلاح الحقيقي على المصالح العابرة.
هـذه الأرض التي أنجبت أولى الحضارات لا ينقصها التاريخ وإنما تحتاج إلى إدارة تستلهم ذلك التاريخ في بناء المستقبل لا إلى تكرار أخطاء الماضي بأشكال جديدة.
✍️
١ آب ٢٠٢٦
تابعونا على قناة التلگرام الخاصة



