بغداد بين واشنطن وطهران.!
عادل الجبوري ||

في ظرف اقل من اسبوعين، زار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، كل من الولايات المتحدة الاميركية والجمهورية الاسلامية الايرانية، برفقة وفد حكومي رفيع المستوى ضم عددا من الوزراء والمستشارين والخبراء ورجال المال والاعمال. ومن واشنطن التي التقى فيها منتصف تموز-يوليو الجاري، الرئيس الاميركي دونالد ترامب، ومسؤولين كبار ورؤساء شركات ومؤسسات اقتصادية ضخمة، اكد الزيدي ما معناه، اهمية الشراكات الاقتصادية في بناء علاقات استراتيجية قائمة على اساس المصالح المتبادلة، ولتكون بديلا عن العلاقات المحكومة بالطابع العسكري، وترجم ذلك الى ابرام ثماني واربعين اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات مختلفة مع الجانب الاميركي.
وفي طهران التي زارها بعد اربعة ايام من مغادرته واشنطن، التقى نظيره الايراني، مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى، محمد باقر قليباف، ورئيس السلطة القضائية الشيخ غلام محسني اجئي، وعدد اخر من كبار المسؤولين الايرانيين، وبحسب ما جاء في البيان الختامي المشترك، تم الاتفاق على صياغة وثيقة استراتيجية شاملة لترسيخ التعاون طويل الأمد في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك. كما شدد الطرفان على اهمية تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والبنية التحتية والشعبية، باعتبارها ضرورة استراتيجية لضمان المصالح المشتركة للبلدين. والعمل الجاد على تحويل العلاقات بين البلدين إلى نموذج ناجح للتعاون الإقليمي، قائم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المتبادلة.
لاشك ان البعض-وربما الكثيرين-يرون ان هناك تناقضا وازدواجية في الحراك السياسي والدبلوماسي العراقي، يعكسه الخطاب المتشابه حيال عدوين وخصمين لدودين، يخوضان حاليا مواجهة عسكرية مفتوحة على كل الخيارات والاحتمالات. ويرون ان وضوح المواقف، يقتضي ان الذهاب بإتجاه معين يفضي تلقائيا للابتعاد عن الاتجاه الاخر، وهذا لم يحصل حينما ذهب الزيدي الى واشنطن ومن ثم توجه طهران، في ظل التصعيد العسكري الخطير بين الطرفين الايراني والاميركي.
مثل تلك الرؤية تبدو مجتزئة، ولا تستوعب كل تفاصيل المشهد، وحيثيات الوقائع والاحداث، وما هو المطلوب فعليا من الناحية الواقعية.
وانطلاقا من حقائق ومعطيات لايمكن بأي حال من الاحوال تجاهلها او القفز عليها، فإن العراق سواء اراد او لم يرد، لابد له ان يتعامل مع الولايات المتحدة الاميركية، رغم الكمّ الكبير من الملاحظات والتحفظات المنطقية، والاخطاء التي ارتكبتها الادارات الاميركية المتعاقبة في العراق على مدى ثلاثة وعشرين عاما، اي منذ الاطاحة بنظام صدام، وفرض الاحتلال والوجود العسكري الاميركي كواقع حال. ولعل كل رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على المسؤولية منذ عام 2003، ذهبوا الى الولايات المتحدة وتواصلوا معها، مع كل ما كان لديهم عليها من اشكاليات. والتواصل لم يكن يعني بالضرورة ان الامور معها تسير على ما يرام، وان هناك رضا وقبولا عن كل فعلته وما قررته، وما لم تفعله في العراق، سياسيا وامنيا واقتصاديا. ومن الطبيعي-والمفروض-ان تبقى مساحات الرفض والتحفظ والاعتراض السياسي والشعبي والاعلامي قائمة الى جانب التواصل والتعامل والتعاطي الرسمي الحكومي.
في مقابل ذلك، فإن الذهاب الى الولايات المتحدة الاميركية، والسعي الى تحويل العلاقات المحكومة بالطابع العسكري الى شراكات اقتصادية، لايمكن ان يكون مشروطا ومرتبطا بالابتعاد عن ايران، الحليف الاستراتيجي الموثوق للعراق، الذي كانت لها الكثير من المواقف الساندة والداعمة له في ظل الظروف الحرجة والتحديات السياسية والامنية الخطيرة على مدى عقدين ونيف من الزمن.
الذهاب الى واشنطن، يفهم منه السعي الى تفكيك العقد والمشكلات وتصحيح المسارات، بينما الذهاب الى طهران، يفهم منه العمل على تكريس وترسيخ منهج التعاون والتقارب، وتنسيق التوجهات والمواقف، لمواجهة التحديات المشتركة بالنسبة لهما ولمختلف دول وشعوب المنطقة.
ولعل ما هو واضح، ان العراق الذي انتقل منذ عدة اعوام من كونه طرفا ضعيفا وبؤرة للفوضى والاضطراب، الى طرف ايجابي فاعل في احتواء المشاكل والازمات الاقليمية، وفي التقريب بين الفرقاء، يمكن ان ينجح في تحقيق التوازن الايجابي في علاقاته مع كل من واشنطن وطهران، وهذا من شأنه ان يساهم في تعزيز وترسيخ استقراره السياسي والامني والاقتصادي من جانب، ومن جانب اخر، يساعد بشكل او باخر، وبالتوازي مع جهود ومساعي اطراف اقليمية اخرى، في احتواء التصعيد، ومنع انزلاق الامور الى الحافات الحرجة والنقاط الخطيرة.
والتوازن الايجابي كمبدأ في السياسة، يمكن ان يعطي النتائج والمخرجات المرجوة في حال كانت تطبيقاته وتوقيتاتها صحيحة، لاسيما اذا كان الطرف المعني يمتلك قنوات تواصل فاعلة، ومصالح مشتركة مع الفرقاء والخصوم، الذين من الطبيعي انهم يحتاجون في ذروة التصعيد والتأزيم الى قنوات وساطة وتهدئة، وبحث هاديء وعقلاني عن مخارج وحلول مناسبة.
ومن دون ادنى شك، فإن التواصل مع الاطراف الاقليمية والدولية الاخرى، خصوصا الفاعلة والمؤثرة منها، مثل روسيا والصين وتركيا، سيحقق المزيد من المكاسب والاهداف، ويفتح المزيد من الفرص والافاق، سواء افضى الى حلحلة بعض الملفات، وتفكيك قدر من الازمات، او عزز ما هو متحقق من الانجازات.



