الأحد - 01 نوفمبر 2026

من يحمي مَن؟… حين يصبح الشعب حارسا للمسؤول..!

منذ 4 أشهر
الأحد - 01 نوفمبر 2026

عامر جاسم العيداني ||

 

 

 

في الدول التي تحترم شعوبها يكون المسؤول أول من يخضع للتقشف وأول من يشعر بآلام الناس وآخر من يطالب بالامتيازات. أما في الدول التي تختل فيها معايير الحكم فإن المسؤول يتحول تدريجيا إلى مركز تدور حوله مؤسسات الدولة فتسخر الإمكانات لحمايته وتستنزف الأموال لخدمته ويطلب من الشعب أن يدفع فاتورة ذلك كله.

في العراق لم تعد الحمايات الشخصية مجرد إجراء أمني بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ظاهرة تستنزف المال العام والطاقات البشرية. آلاف من عناصر الأجهزة الأمنية يؤدون واجبات الحماية والمرافقة ومواكب طويلة تجوب الشوارع وعشرات المركبات الحكومية وموازنات ضخمة تصرف سنويا بينما لا يزال المواطن يبحث عن كهرباء مستقرة ومدرسة لائقة ومستشفى يقدم علاجا كريما وفرصة عمل تحفظ كرامته.

ليس الاعتراض على مبدأ الحماية الأمنية فالدولة مسؤولة عن حماية مسؤوليها عندما تقتضي الظروف الأمنية ذلك لكن الاعتراض على تحويل الحماية إلى امتياز دائم وعلى توسيعها بما يفوق الحاجة الفعلية، حتى أصبح المنصب في بعض الأحيان طريقا للحصول على مواكب وحراسات أكثر منه وسيلة لخدمة المواطنين.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يحتاج المسؤول إلى كل هذا العدد من الحراس؟ وإذا كان يخشى شعبه إلى هذه الدرجة فهل المشكلة في الشعب أم في طريقة إدارته للشأن العام؟

إن المسؤول الذي يكسب ثقة الناس بعدله ونزاهته وتواضعه يربح أعظم حماية يمكن أن ينالها وهي احترام المواطنين. أما من يبني بينه وبين المجتمع جدرانا من السيارات المصفحة والأسلحة والحواجز فإنه يبعث برسالة مفادها أن السلطة أصبحت منفصلة عن الناس وأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم على الخوف لا على الثقة.

والأخطر من ذلك أن الأموال التي تنفق على هذه الامتيازات ليست أموال المسؤولين بل هي من خزينة الدولة أي من جيوب العراقيين جميعا. إنها أموال كان يمكن أن تبني مدارس أو تطور مستشفيات أو تنشئ طرقا أو توفر فرص عمل للشباب وكل دينار يهدر في غير موضعه هو حق ينتزع من مواطن ينتظر خدمة أو علاجا أو مستقبلا أفضل.

لقد ترسخت في الحياة السياسية العراقية ثقافة خطيرة وهي أن المنصب يقاس بحجم الموكب وعدد الحمايات لا بحجم الإنجاز وكأن هيبة المسؤول تستمد من كثرة المسلحين حوله لا من نجاحه في إدارة مؤسسات الدولة وتحقيق مصالح الناس.
الحقيقة أن هيبة الدولة لا تصنع بالأسلحة بل بالعدالة. ولا تبنى بالمواكب بل بسيادة القانون ولا تتحقق بإغلاق الطرق أمام المواطنين بل بفتح أبواب المؤسسات أمامهم.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة شاملة لكل الامتيازات التي يحصل عليها المسؤولون وفي مقدمتها الحمايات والمواكب ووضع معايير مهنية موحدة تحدد الحاجة الأمنية الفعلية لكل منصب بعيدا عن المجاملات السياسية أو النفوذ الحزبي فالمال العام ليس ملكا للحكومات بل هو ملك للشعب ومن واجب الدولة أن تنفقه حيث تكون مصلحة المواطنين أولا.

إن العراق اليوم بحاجة إلى مسؤول يطمئن الناس لا إلى مسؤول يخشاهم وبحاجة إلى مسؤول يسير بينهم لا إلى مسؤول لا يرى إلا خلف الزجاج المصفح وبحاجة إلى مسؤول يجعل من نزاهته وعدالته وتواضعه سورا يحميه لا أن يجعل من أموال الشعب وأبنائه درعا دائما له.

فالدولة التي تسخّر إمكاناتها لحماية المسؤول أكثر من حماية المواطن تخاطر بفقدان ثقة المجتمع. أما الدولة التي تجعل المواطن محور اهتمامها فإنها تبني شرعيتها على الرضا الشعبي لا على كثرة الحواجز الأمنية.

ويبقى السؤال الذي لن يفقد أهميته: إذا كانت السلطة تمارس باسم الشعب فلماذا يبدو أحيانا أن الشعب هو الذي يدفع ثمن حماية السلطة؟

ومن هنا، ندعو حكومة الزيدي إلى فتح مراجعة شاملة لملف الحمايات المخصصة للمسؤولين باعتباره من الملفات التي تستوجب إعادة التقييم من زاوية حماية المال العام وترشيد الإنفاق. فالتوسع غير المبرر في أعداد الحمايات وما يرافقه من مخصصات وآليات وتجهيزات يمثل عبئا كبيرا على خزينة الدولة ويعد من صور الهدر التي ينبغي معالجتها.