السبت - 04 يوليو 2026
منذ 3 ساعات
السبت - 04 يوليو 2026

زيد الحسن ||

 

 

 

كان العراقي القديم ينقش القانون على الحجر ليبقى آلاف السنين ، أما العراقي الحديث فيكتبه على الورق ليبقى معلقا آلاف الأيام .

ويبدو أن بعض البرلمانات اكتشفت سرا لم يكتشفه الزمن وهو أن أفضل طريقة لعدم إنهاء المشكلات هي تشكيل لجنة لتشريع قانون جديد .

هناك شعوب تشرع القوانين لتبني الأوطان ، وهناك من جعل من التشريع وطنا قائما بذاته لا تنتهي حدوده ولا تغلق أبوابه ولا يعرف الناس متى يصل إلى محطته الأخيرة .

من يستمع إلى الخطاب الرسمي يظن أن العراق خرج للتو من كهوف التاريخ وأنه يقف اليوم أمام أول درس في كتابة القانون بينما الحقيقة أن هذه الأرض كانت منبع أقدم الشرائع وأعرق المدارس القانونية ، وأنها احتضنت حضارات علمت البشرية أن العدالة هي أساس العمران .

ومن غرائب المشهد أن كلمة التشريع نفسها تحمل في وجدان الأمة معنى الطريق المستقيم ، والمنهج الواضح فإذا بها تتحول في الممارسة السياسية إلى طريق طويل كثير المنعطفات لا يعرف نهايته إلا الذين يرسمون خرائطه بما يوافق مصالحهم وحساباتهم .

لقد أصبح المواطن يسمع عبارة نحتاج إلى تشريع جديد أكثر مما يسمع عبارة تم إنجاز المشكلة ، حتى خيل إليه أن القوانين ليست مفاتيح للحلول بل ستائر أنيقة تؤجل رؤية الحقيقة سنوات أخرى .

ولو سألنا سؤالا بسيطا لوجدنا أنه أكثر إرباكا من آلاف الخطب هل يعاني العراق من قلة القوانين ؟ أم من قلة احترامها وتطبيقها ؟ وهل ينقصه المزيد من النصوص أم المزيد من الضمائر التي تنفذها بعدالة ؟.

ولأن القضاء العراقي ظل في كثير من المنعطفات صاحب الكلمة الأخيرة عندما تتشابك الخلافات وتتعقد النصوص ، فإن السؤال يصبح أكثر مشروعية لماذا لا يتقدم رجال القانون والقضاة وأهل الاختصاص الصفوف في صناعة القوانين بعيدا عن ضجيج السياسة وتقلبات المزاج الحزبي ، فالقاضي لا يقيس النص بعدد المقاعد ، ولا بعدد الأصوات ، ولا بحجم الصفقة وإنما بميزان العدالة ، وهذا وحده يكفي ليجعل رأيه أقرب إلى مصلحة الدولة من رأي تحكمه مواسم الانتخابات وتحالفات اللحظة .

لقد أثبتت السنوات أن كثرة التشريعات لا تصنع دولة كما أن كثرة الأطباء لا تشفي مريضا إذا كان الداء في الإدارة نفسها وأن المشكلة ليست في عدد القوانين بل في العقل الذي يكتبها واليد التي تستخدمها والغاية التي وضعت من أجلها .

أما البرلمان فقد أصبح مطالبا قبل أن يشرع للناس أن يجيبهم عن حصيلة ما مضى وأن يفسر لهم لماذا اتسعت الفجوة بين النصوص والواقع ولماذا ازداد شعور المواطن بأن القانون يلاحقه أكثر مما يحميه .

إن مراجعة هذه التجربة لم تعد ترفا فكريا ولا خصومة سياسية بل أصبحت ضرورة وطنية لأن الأوطان لا تنهض بكثرة الشعارات وإنما بصدق المؤسسات وكفاءة الرجال ونزاهة المقاصد .

ويبقى السؤال معلقا فوق رؤوس الجميع كم قانونا آخر يحتاج العراق قبل أن يكتشف أن بناء الدولة يبدأ بالعدالة لا بكثرة التشريعات وأن قيمة القانون ليست في عدد صفحاته بل في أثره على حياة الناس .

ولا يحدثني أحد عن الرقابة البرلمانية ، وكأنها آخر قلاع النزاهة ، فمن يتابع ما جرى خلال السنوات الماضية قد يتساءل أين كانت تلك الرقابة حين تمدد الفساد واتسعت الأزمات وتراجعت الخدمات ، لقد تحول مفهوم الرقابة في نظر كثير من الناس من عين تسهر على حماية الدولة إلى مشهد يثير الريبة والجدل ، حتى غدا الحديث عنها أقرب إلى النكتة السوداء منه إلى وظيفة دستورية فالرقابة التي لا تمنع الانهيار ولا تحاسب المقصر ولا تصون المال العام تفقد معناها وتتحول إلى عنوان بلا مضمون ، وإلى سلطة تستهلك هيبتها قبل أن تمارس واجبها .

وحين تصبح مساءلة البرلمان أمرا يزعج البعض أكثر من فضائح الأداء نفسه فاعلم أن المشكلة لم تعد في النصوص بل فيمن اعتاد أن يعيش فوقها لا تحت سلطانها .