الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ ساعتين
الجمعة - 03 يوليو 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

 

 

 

ليست كل الهزائم تُعلن في ميادين القتال، فبعضها تفضحه تقارير العدو نفسه، حين تتحول لغة التهوين إلى لغة الاعتراف، وتصبح الأرقام شاهدًا على حجم الخسائر التي لم تعد قابلة للإخفاء.

فالتقرير الذي نقلته القناة العبرية الثانية عشرة عن بيانات صادرة من مركز “تل حاي” لا يقتصر على إحصاء عدد العمليات العسكرية التي نفذها حزب الله خلال الفترة الممتدة من 17 أبريل وحتى 20 يونيو 2026، فهو يقدم صورة عن اهتزاز البنية الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الجليل، وهي المنطقة التي طالما روّج الاحتلال بأنها تمثل عمقه الآمن وخط دفاعه الأول.

ووفقاً للتقرير، نفذ حزب الله مئات العمليات العسكرية، تنوعت بين هجمات بالطائرات المسيّرة والمحلقات المفخخة، وقصف صاروخي، وعمليات دفاع جوي، وصواريخ مضادة للدروع، وعبوات ناسفة، إضافة إلى اشتباكات مباشرة. وهذا التنوع في الوسائل يؤكد تطور الأداء العسكري، وقدرته على فرض معادلات جديدة تستنزف العدو في أكثر من اتجاه، وتمنعه من استعادة زمام المبادرة.

لكن ما يكشف حجم التأثير الحقيقي ليس عدد العمليات فحسب، وإنما النتائج التي اعترف بها الإعلام العبري نفسه، عندما وصف الأرقام الاقتصادية والاجتماعية بأنها “قصة تآكل الصمود الاجتماعي”، داعياً إلى التعامل معها باعتبارها ناقوس خطر.

فحين يغادر معظم شباب الجليل المنطقة، وتتراجع القدرة النفسية على الصمود لدى شريحة واسعة منهم، وتتضرر غالبية الشركات، ويصبح الإغلاق أو الانتقال خياراً مطروحاً أمام نصفها تقريباً، بينما يتلقى القطاع الزراعي ضربة قاسية،
فإن الحديث لم يعد عن خسائر عسكرية مؤقتة، وإنما عن أزمة تضرب العصب الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.

وهذا يؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات فحسب، وإنما بمدى قدرة الجبهة الداخلية على الاستمرار، وبحجم الثقة التي يحتفظ بها المجتمع بمؤسساته الأمنية والعسكرية، فإذا اهتزت هذه الثقة، فإن آثارها قد تكون أشد من آثار القصف نفسه.

إن كيان الاحتلال الذي اعتاد تصدير صورة “الجيش الذي لا يُقهر”يجد نفسه اليوم أمام معادلة مختلفة،حيث أصبحت جبهته الداخلية جزءًا من ميدان المواجهة، ولم تعد المستوطنات الشمالية بمنأى عن تداعيات أي مواجهة عسكرية.

ولم يعد التفوق العسكري وحده كفيلًا بتحقيق النصر، ما دامت إرادة المواجهة والصبر والثبات حاضرة.

كما يؤكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- باستمرار أن العدو الصهيوني، مهما امتلك من إمكانات، يبقى هشاً أمام معادلة الصمود والاستنزاف، وأن جبهته الداخلية تمثل إحدى أبرز نقاط ضعفه، وهو ما تكشفه هذه الاعترافات الإسرائيلية بصورة واضحة.

بالتالي فإن أهمية هذه التقارير لا تكمن في أرقامها فقط، وإنما في كونها صادرة من داخل الكيان نفسه، بما يعكس حجم القلق المتنامي من مستقبل الجبهة الشمالية، ويؤكد أن معادلات الردع التي حاول الاحتلال فرضها لعقود لم تعد كما كانت.

وأن زمن الحروب الخاطفة قد ولّى، ليحل محله زمن الاستنزاف، حيث يتحول الضغط العسكري إلى أزمة اقتصادية، والاجتماعية إلى أزمة نفسية، والنفسية إلى أزمة ثقة تهدد تماسك المجتمع الصهيوني بأكمله، والقادم اعظم.