هل أصبح الإعلام الحزبي أخطر من الفساد السياسي؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

لطالما كان الفساد السياسي يُنظر إليه بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول، لأنه يهدر المال العام، ويعطل التنمية، ويضعف مؤسسات الدولة، لكن السنوات الأخيرة كشفت عن خطر آخر لا يقل تأثيراً، وربما يفوقه في بعض الأحيان، وهو الإعلام الحزبي عندما يتحول من وسيلة لنقل الحقيقة إلى أداة لتشكيل الوعي وفق مصالح ضيقة، فالفساد السياسي يسرق المال، أما الإعلام المؤدلج فقد يسرق الحقيقة، والمال يمكن تعويضه مع الزمن، أما الحقيقة إذا غابت، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.
في العراق، كما في كثير من الدول، تمتلك معظم القوى السياسية وسائل إعلام خاصة بها، وهذا ليس عيباً بحد ذاته، فوجود إعلام يعبر عن توجهات سياسية أمر موجود في دول ديمقراطية عديدة؛ لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخبر إنتقائياً، وتُقدَّم المعلومة وفق مصلحة الحزب لا وفق حق المواطن في المعرفة، وعندما تُستخدم الشاشات والمنصات لإشعال الخلافات، أو تبرير الفشل، أو تشويه الخصوم، أو إخفاء ملفات الفساد، هنا يصبح الإعلام شريكاً في الأزمة، لا مجرد ناقل لها.
إن أخطر ما يفعله الإعلام الحزبي هو أنه يعيد تشكيل قناعات الناس؛ فهو قادر على جعل الفاسد يبدو مُصلحاً، والفاشل يبدو ناجحاً، والمُقصِّر يبدو بطلاً، فقط عبر التكرار والإنتقاء وإخفاء نصف الحقيقة؛ ومع مرور الوقت، يجد المواطن نفسه أمام روايات متضاربة، فلا يعرف من يصدق، وتبدأ الثقة بالمؤسسات والإعلام بالتآكل، ولعل أخطر نتائج هذه الحالة أن المواطن يفقد ثقته بالجميع، فعندما تختلط الحقيقة بالدعاية، تصبح الشائعة أقرب إلى التصديق، ويصبح الكذب قابلاً للتسويق إذا تكرر كثيراً وعندها لا يخسر حزب أو حكومة فقط، بل تخسر الدولة قدرتها على بناء رأي عام واعٍ.
لا يقف تأثير الإعلام الحزبي عند حدود السياسة، بل يمتد إلى المجتمع نفسه، فعندما تُبنى الرسائل الإعلامية على التخوين، والتحريض، والتصنيف الطائفي أو القومي، فإنها تزرع الإنقسام بين أبناء الوطن، وتجعل الخِلاف السياسي يتحول إلى خِلاف إجتماعي يصعب علاجه؛ ومن هنا، يمكن القول إن الإعلام الحزبي يصبح أخطر من الفساد السياسي عندما يتحول إلى مظلة تحمي الفساد وتبرره، فالفساد يحتاج دائماً إلى من يدافع عنه، أو يقلل من خطورته، أو يحول أنظار الناس إلى قضايا جانبية، وإذا نجح الإعلام في ذلك، فإنه لا يغطي فساداً واحداً، بل يساعد على إستمرار منظومة كاملة من الفساد، لكن، في المقابل، لا ينبغي تحميل الإعلام الحزبي وحده مسؤولية الأزمة؛ فهناك أيضاً إعلام مهني ومستقل، وصحفيون قدموا نماذج مشرفة في كشف الحقائق والدفاع عن المصلحة العامة رغم التحديات، وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في الإنتماء السياسي بحد ذاته، وإنما في غياب المهنية والشفافية، وفي إستغلال المنابر الإعلامية لخدمة المصالح الضيقة.
إن الحل لا يكمن في إغلاق وسائل الإعلام أو تقييد حرية التعبير، لأن الإعلام الحر هو أحد أعمدة الديمقراطية؛ وإنما يكمن في سَنْ قوانين عادلة تُلزم جميع المؤسسات الإعلامية بالشفافية في التمويل والملكية، وتمنع نشر الأخبار الكاذبة وخِطاب الكراهية، مع دعم الإعلام المهني المستقل، وحماية الصحفيين، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات لدى المواطنين.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تُبنى بالشِعارات، وإنما بإبراز الحقائق، والإعلام الذي يضع الحقيقة في المرتبة الثانية بعد الولاء الحزبي، لا يخدم الديمقراطية، بل يضعفها، وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: أيهما أخطر، الفساد السياسي أم الإعلام الحزبي؟
والجواب ليس بسيطاً، لأن كلاً منهما يغذي الآخر، فالفساد يحتاج إلى إعلام يبرره، والإعلام المؤدلج يحتاج إلى سلطة تحميه، وإذا إجتمعا، تصبح الخسارة مضاعفة، وتصبح الحقيقة أول الضحايا.
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى إعلام يصفق لهذا الطرف أو يهاجم ذاك، بل يحتاج إلى إعلام وطني يضع المواطن قبل الحزب، والدولة قبل الأشخاص، والحقيقة قبل المصالح، فعندما تنتصر الحقيقة، يصبح الفساد مكشوفاً، وعندما يصبح الفساد مكشوفاً، تكون الدولة قد خطت أولى خطوات الإصلاح الحقيقي.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢ تموز ٢٠٢٦




